تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال صاحبي: وهل تعد ذلك نجاحا؟ لو كان النجاح بقضاء المصالح والأغراض والحصول على المال فحسب، لعددنا السارق يجيد السرقة ويفلت من العقوبة ناجحا، ولعددنا الذي يتاجر بشرفه وعرضه ناجحا، ولكان أنجح الناس من حصل على المال من أقرب الوجوه، ولو كان من أخسها - إن هذا الذي ذكرت قد كسب المال وخسر الشرف، حييت مطامعه ومات ضميره، وخدم من يظنهم كبراء أو عظماء بضعة نفسه وموت حسه، بأي مقياس أخلاقي قسته لم تجده شيئا، إن قسته بمقياس الفضيلة الباته الحاسمة لم تجده فاضلا، وإن قسته بمقياس السعادة لم تجده سعيدا، إنه يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام، فإن كان الحمار أو الخنزير سعيدا فهذا سعيد؛ وأين منه لذة ذي الضمير الحي ينعم بمواقف الشرف والنبل، ويلذها لذة لا يعدلهما ما ذكرت من مال وجاه؟ إن الرجل الفاضل سعيد حتى في آلامه؛ لأنها آلام لذيذة خصبة، هي كالنار تنضج النفس ولا تحرقها؛ أما لذة صاحبك فسم في دسم، ونار تحرق ولا تنضج وبعد قليل من حياته يفقد حتى لذة المال والجاه، وتصبح لذتهما كلذة من يتناول الحلوى صباح مساء تتهوع نفسه وتتقبض شهيته؛ فإن اللذة الباقية الدائمة هي لذة الروح لا الجسم، ومن عجيب أمر الروح أن لذتها لذة صافية وألمها ألم مشوب بلذة؛ ثم لذة هذا المخلوق لذة مشروطة بشروط: فهو يعتقد أن لذته مرتبطة ببقاء صاحبه في الوزارة، وصديقه في الوكالة، وحميمه في منصبه؛ لأن قيمته مستمدة من ذلك كله وليست مستمدة من نفسه، إذ ليست له قيمة ذاتية؛ ونجاح مثل هذا في أمة عنوان فشلها وسوء تقديرها، وضعف الرأي العام فيها؛ وهو مثل سيىء يشجع البذور السيئة على النماء والبذور الصالحة على الخفاء. قد يكون هذا المثال في كل أمة، ولكنه في الأمة الصالحة نادر، ويحتاج في نجاحه إلى كثير من الطلاء حتى يخدع الناس ويوهمهم بصلاحه؛ أما أن يجرؤ ويظهر بمظهره الحقيقي ثم ينجح فذلك فساد الأمة وسبة الدهر.

قلت: ربما كان ما تقول صحيحا فدعني أفكر.

| امتيازات من نوع آخر

هل لاحظت أنك إذا استعرضت مقاهي مصر وفنادقها، رأيت أن أعظمها بناء، وأحسنها نظاما، وأغناها روادا، وأجملها موقعا، وأشدها إتقانا للخدمة، وأكثرها تفننا في إدخال الراحة والسرور على زوارها، وأمهرها في استدرار مال الجمهور عن رضى واختيار، إنما هي لسادتنا الأجانب؟

وأن أحقرها مكانا - وأفقرها سكانا، وشرها موقعا، وأسوأها خدمة، وأرخصها سعرا وأكثرها تفننا في إقلاق راحة زوارها، لا يغشاها إلا من هزل جيبه، أو فسد ذوقه، أو اضطرته حاجة ملحة، أو ضحى براحته ولذته وسعادته لفكرته الوطنية، ونزعته القومية، إنما هي لإخواننا المصريين؟

ثم هل لاحظت أن المقاهي والفنادق الأرستقراطية، وما يشبهها وما يقرب منها، صاحبها أجنبي، ومديرها أجنبي، والمشرف على ماليتها أجنبي، والذي يقدم إليك الخدمات الرفيعة أجنبي، ومن يقبض ثمن ما قدم، ويأخذ منك «البقشيش» أجنبي، ثم من يمسح الأرض مصري، ومن يتولى أحقر الأعمال مصري، ومن يمسح لك حذاءك في المقهى أو الفندق مصري، ومن يجمع أعقاب السجاير مصري؛ وأن الأجنبي له الخيار في الأعمال فما استنظفه عمله بنفسه، وما استقذره كلف به مصريا؛ ثم أنت لا تجد العكس أبدا في المقاهي المصرية والفنادق المصرية، فلا تجد رئيسا مصريا ومرءوسا أجنبيا، ولا تجد الأعمال الرفيعة لمصري، والأعمال الوطنية لأجنبي؛ وإذا كان لكل قاعدة استثناء كما يقولون، فقد ظفرنا في هذه الحال بقاعدة لا استثناء فيها؟ •••

وهل تتبعت الصناعات في مصر، فرأيت أن كل صناعة رأسها أجنبي وقدماها مصريتان؟ فخير ميكانيكي في مصر أجنبي، والحثالة مصريون، وقل مثل ذلك في أعمال الكهرباء والنجارة والحدادة والخياطة، وما شئت من صناعة؛ حتى لقد زاحمونا في مصنوعاتنا الوطنية، ونشأت فرقة من الأجانب تجيد عمل «الطعمية» و«الفول المدمس» وبزت فيهما المصريين، وأصبحت الطبقة المصرية الأرستقراطية تشتهيهما من يد الأجنبي أيضا، وتفضل ما يصنعه على منتجات «أبي ظريفة» و«الحلوجي» ومن إليهما؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٦