وأعرفه فنانا كبيرا، ولكنه يأبى أن يجالس الفنانين الكبار أمثاله، ويفضل أن يجلس إلى مبتدئي الفن يعلمهم ويصلح من أخطائهم، وهم من جانبهم يتملقونه، ويفيضون عليه من ألقاب الثناء ما يملؤه غبطة وسرورا.
وأعرف عشرات من هذه الأمثله أشاهدها كل يوم، وأسمع بها كل حين، وأقرؤها في وصف كثير من الرجال والنساء، فما سرها؟
سرها عندي أن من طبيعة الإنسان أنه يكره «الضعة» ويكره كل ما يشعره بالضعة، ويحب العظمة ويحب كل ما يشعره بالعظمة.
من أجل هذا تراه - في العادة - يكره أن يجالس من هو خير منه في علمه وفنه وأدبه؛ لأن ذلك كله يشعره بصغر نفسه؛ وهو أقل كراهية لمجالسة من هو مثله؛ لأنه لا يحط من شأن نفسه؛ وهو أشد حبا لمجالسة من دونه؛ لأن ذلك يجعله أكثر شعورا بعظمة نفسه.
ويمكن تطبيق ذلك على كثير من الأحداث اليومية والمشاهدات المألوفة. ألست ترى أن «حلبة الكميت» أو جمعية الشراب تكره كل الكراهية أن يكون بينهم وقت شرابهم من لا يشرب، ويستثقلونه مهما ظرف، ويستسمحونه مهما لطف؛ لأنه يذكرهم بالفضيلة حين ارتكابهم الرذيلة، ويشعرهم بأنهم الوضعاء وهو الرفيع، وأنه العين النافذة، وأنه الرقيب عليهم، وأنه العاد لسقطاتهم، وأنه المتحفظ بقوة إرادته عند ضعف إرادتهم؟ كل هذا يشعرهم بالضعة فيكرهونه ويبدءون بالإلحاح عليه أن يشرب لا حبا فيه ولكن حبا لأنفسهم، وإبعادا لشعورهم بضعتهم، ولا يزالون يستحلفونه حتى إذا نجحوا أمنوا الشعور بالضعة، وإذا فشلوا مقتوه ومقتوا جلوسه بينهم؛ لأنه نغص عليهم بهجتهم؛ ومن أجل هذا أيضا أحبوا أن يسمعوا أدب الخمر، وأحبوا أن يسمعوا من يفلسف لهم الحياة وأنها ليست إلا متعة الساعة وشهوة الوقت؛ فإن تجاوز المحدث ذلك إلا أنه لا يعبأ بحرام ولا حلال، وأن يقول كما قال أبو نواس:
فإن قالوا حرام قل حرام
فإن لذاذة العيش الحرام
فذلك عندهم أظرف وأفكه؛ لأنه اجتث الشعور بالضعة من جذوره. •••
هذا هو سبب العداء دائما بين الفضيلة والرذيلة أو بين الفاضل والرذل، وهذا هو السبب في أن الرذل يكره الفاضل أكثر مما يكره الفاضل الرذل؛ لأن الرذل هو الذي يشعر بالضعة من رؤية الفاضل.
وهو السبب في أن الفقير يكره الغني أكثر من كره الغني للفقير؛ لأن الفقير هو الذي يشعر بالضعة إذا قاس نفسه بالغني.
وكثيرا ما يكون سببا في فساد الحياة الزوجية، أن تكون في أحد الزوجين صفات راقية ليست في الآخر، فيشعر هذا الآخر بالضعة عند قياس نفسه بنفس قرينه، فتسوء الحياة ويجهل السبب. •••
بل أرى أن في هذا القانون تفسيرا لكثير من الرجال والنساء الذين يحبون العزلة وينفرون من الناس.
فتفسير هذا أنهم يشعرون بنقص فيهم من ناحية من النواحي الخلقية أو العلمية أو الاجتماعية، كأن يشعروا أنهم لا يحسنون حديث المجالس، او أن في جسمهم عاهة من العاهات، أو أنهم إذا جودلوا أفحموا، أو إذا نيل منهم لم يستطيعوا أن يأخذوا بحقهم. فتراهم يفضلون العزلة ويتغنون بمدحها، ويصبون جام غضبهم وسخطهم على الناس، ويطنبون في ذم الأخلاق وسوء المجتمعات؛ وهو نقص في محب العزلة جعله يشعر بضعة نفسه في المجتمعات، وهو يكره الضعة ويكره كل ما يسببها، وهو لا يحب أن يلوم نفسه وهي السبب؛ لأن في هذا ضعة أيضا، فيلوم الناس ويلوم المجتمعات، ويكون مثله مثل من عجز عن أن ينتقم من عدوه، فانتقم من صديقه. •••
أتدري السبب في أن الشباب لا يودون كثيرا أن يجالسوا آباءهم ولا إخوتهم ولا أقرباءهم، ويفضلون - غالبا - أن يجالسوا الغرباء؟
هو - أيضا - هذا القانون، فإن آباءهم وإخوتهم وأقرباءهم يعلمون نشأتهم، وكل شيء فيهم، وكل شيء حولهم، وفي ذلك عيوب عرفوها، وزلات وقعت تحت أعين الآباء ومن إليهم؛ فالشباب يشعر بهذا التاريخ كله إذا جلس إليهم، وهذا يشعره بالضعة، فهو يفضل عليهم صداقة الغرباء؛ لأنهم يجهلون تاريخه، ويجهلون زلاته؛ فهو عندهم لا يشعر بالنقص، ولا يشعر بالضعة، فكان إليهم أميل، وبهم آنس؛ والمثل العربي يقول: «برق لمن لا يعرفك»، ومعناه تبجح وهدد من لا يعرفك؛ لأن من عرفك لا يعبأ بك.