الحق أن للناس بعض العذر في الانصراف عن المساجد؛ فلو عرف الخطباء كيف يكلمون الناس، وعرف رجال الدين كيف يصلون إلى قلوبهم، وشعر الناس أنهم يجدون في المسجد متعة روحية وغذاء دينيا واجتماعيا، لتغير الحال وازدحم المسجد بالناس من جميع الطبقات.
وقد كان المسجد في الإسلام يقوم بهذه النواحي التي ذكرنا؛ فالخلفاء ونوابهم كانوا يخطبون في المشكلات الحاضرة، وكانوا يخطبون كلما حزبهم أمر أو عرض لهم مهم، وكان المسجد مدرسة للعلماء والمتعلمين والشعراء والمتأدبين، وكان المسجد مكتبة للواردين والمترددين، وكان المسجد مجمع الناس في الأعياد والمواسم، وكان المسجد مكتب الصغار ومدرسة الكبار؛ ولو سار في طريقه وتأقلم مع الزمن لكان يؤدي كل الخدم الاجتماعية التي أشارنا إليها من قبل؛ ولكن
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا * إلا من تاب .
| منطق اللغة
قال صديقي: ألا تنظر إلى هذه الظاهرة الغريبة؟ أنا في مجلس يتجادل أحيانا فيما يعرض عليه باللغة العربية، وأحيانا باللغة الإنجليزية؛ فإذا تجادل باللغة الإنجليزية فالحجة تقرع بالحجة في إيجاز، وداخل حدود معينة، قل أن يكون هناك استطراد، وقل أن يكون لعب بالألفاظ، وقل أن يكون خروج عن الموضوع، وقل أن يكرر المجادل نفسه فيما يقول، فإما أن يأتي بحجة جديدة وأفكار جديدة، وإما أن يسكت؛ وما هي إلا هنيهة حتى يؤخذ الرأي ويفصل في الأمر. وإذا تجادلنا باللغة العربية فهناك يطول الجدل، ويكثر الحديث، وكثيرا ما تقرع الحجة لا بأختها، ولكن ببنت عمها، وكثيرا ما يستطرد من موضوع إلى موضوع لأقل مناسبة أو بدونها؛ وبعد طويل من الزمان يعودون إلى ما بدأوا فيه، وتثار مسائل كثيرة لا يفصل في واحدة منها، ويقول المجادل الآن ما قال من قبل، فبرد عليه صاحبه بمثل ما رد من قبل، وتتشعب الآراء حتى يصعب حصرها، وحتى ينسى أخيرا ما بدىء به أولا، ثم يؤخذ الرأي وقد مل المتجادلون، وسئموا الجدل، وودوا أن يفصل في الأمر على أي شكل؛ ولذلك قد يكون الرأي يؤخذ أخيرا شرا من الرأي يؤخذ أولا، بل قد يكون الرأي الذي قرر لا علاقة له بالمسألة التي أثيرت من قبل!
نعم يا صديقي، أنا أعتقد أن لكل لغة منطقا يخالف منطق اللغة الأخرى، وأن المسألة لا ترجع إلى عقلية المتجادلين وحدها؛ فقد يتجادل جماعة - كما ذكرت - باللغة الأجنبية، ثم هم أنفسهم يتجادلون باللغة العربية فيكونون في الأولى أكثر توفيقا؛ وليس من الصحيح أن ترجع هذا إلى ضعفهم في اللغة الأجنبية وقوتهم في اللغة العربية؛ فهذا القول ينطبق تماما على من أجادوا اللغتين، وحذقوا اللسانين.
وتعليل ذلك قد يبدو غريبا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عن المعاني، وليست إلا مظهرا من مظاهر العقلية؛ فإذا كان التفكير صحيحا سليما كان التعبير عنه كذلك ما دام صاحبة يجبد التعبير ويتقن اللغة، وإذا كان التفكير فاسدا كان التعبير عنه فاسدا متى وفق صاحبه للتعبير عما يريد؛ ولكن يظهر لي أن المسألة أعمق من ذلك، وأن هناك تفاعلا بين اللغة والتفكير، فاللغة المنظمة تعمل في تنظيم الفكر، والفكر المنظم يعمل في تنظيم اللغة - وكذلك العكس - وأن المتكلم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية خضع لمنطقها وطرق تفكيرها كما يخضع لاختيار كلمتها، واختيار أساليبها، وكيفية معالجة الموضوع، فيؤثر ذلك كله في تفكيره وجدله وحججه؛ وعلى الجمله فهو يحاول أن يكون إنجليزيا أو فرنسيا في تفكيره، كما هو إنجليزي أو فرنسي في لغته - يشعر بهذا تمام الشعور من أجادوا لغتين أو أكثر؛ فهم إذا تكلموا بلغة أجنبية راقية شعروا - مثلا - بأن هناك غرضا محدودا واضحا يرمون إليه في حديثهم وحججهم، وأنهم يضعون لذلك خططا ثابتة معينة تشبه خطط الحرب يضعها قادتها لتسلم كل خطة إلى التي تليها، أو كالخطط التي يضعها لاعب الشطرنج الماهر، إذا لعب لعبة علم ماذا يريد منها، وما هي الألعاب التي تترتب عليها فتنتج الفوز، وهو هو إذا تكلم باللغة العربية لم يتضح القصد له وضوحه باللغة الأجنبية، ولم يرتب حججه ذلك الترتيب الذي يرتبه باللغة الأجنبية؛ ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن مجيد اللغتين كثيرا ما يفكر باللغة الأجنبية، ويترجم تفكيره إلى اللغة العربية، وقلما يعكس، مع أن اللغة العربية هي لغته الأصيلة؛ وهي التي نشأ عليها وتربى في أحضانها، فكان معقولا أن تكون هذه لغة تفكيره؛ فإذا عبر بلغة أجنبية نقل تفكيره إليها - وليس من الهين تعليل هذه الظاهرة؛ ولكن يمكن أن يقال: إن السبب في ذلك أن اللغات الأجنبية الراقية قد استكملت أدواتها من حيث الألفاظ الموضوعة لكل آلة مخترعة ولكل معنى مستكشف، كما استكملت أدواتها من حيث أساليب التفكير وصياغة المعاني صياغات مختلفة أدخل في الذهن وأقبل للعقل وأجمل في الذوق؛ وأن اللغة العربية أبطأت في تاريخها الحديث ولم تسرع في السير، برغم ما يقوله الدعاة من أنها أغنى اللغات وأجمل اللغات، ثم ينامون على ذلك من غير أن يعملوا على تكميل نقصها، ومعالجة ضعفها؛ وكيف يعمل على معالجة الضعف من لم يشعر بألم المرض؟ وكيف يعمل على تكميل النقص من لم يشعر بنقص؟ - لهذا كان فكر المفكر إذا أجاد اللغتين يتبع - من غير اختيار - أرحبها صدرا وأغزرها مادة وتغييرا.