تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

كان مرة يجلس في قهوة أيام المولد الأحمدي سنة (1294ه) ومعه طائفة من أصحابه، منهم السيد علي أبو النصر الشاعر، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الأديب الماجن، فطلع عليهم اثنان من «الأدباتية».

والأدباتية طائفة من المتسولين يستجدون بأدبهم العامي، وطلاقة لسانهم في الشعر، وحضور بديهتهم؛ عرفوا بالإلحاح في الطلب، فإذا رددتهم أي رد أخذوا كلمتك على البديهة، وصاغوا منها شعرا يدل على استمرارهم في طلبهم، واستغواء ممدوحهم، وقد جمعوا إلى طلاقة لسانهم وحضور بديهتهم منظرهم المضحك في ملبسهم وحركاتهم، فزر خارج العمامة، وطبلة تحت الإبط، وحركات يدور معها زر العمامة كأنه نحلة، وتحريك لعضلات وجوههم كأنهم قردة، وهكذا. وسموا«أدباتية» جمع سخرية لأديب. فمرا على الحاضرين حتى وصلا إلى عبد الله نديم، فقال أحدهما:

أنعم بقرشك يا جندي

وإلا اكسنا امال يا أفندي

لحسن أنا وحياتك عندي

بقى لي شهرين طول جعان

فأجابه عبد الله نديم على البديهة:

أما الفلوس أنا مديشي

وانت تقول: ما مشيشي

يطلع علي حشيشي

أقوم أملص لك لودان

فرد «الأدباتي»، ورد عبد الله نديم، وظلا كذلك نحو ساعة، ثم غلب الأدباتي فانصرف مهزوما.

ونقل السيد علي أبو النصر القصة إلى شاهين باشا كنج، فاستطرفها جدا، وخطرت له فكرة طريفة أيضا، أن يقيم حفلا عاما، يدعو فيه كبار الأدباتية والزجالين ويدخلون في مساجلة مع عبد الله نديم، فيكون منظرا لطيفا، ومحفلا ظريفا. ففعل، ونصب سرادقا أمام بيته، وأحضر رؤساء هذا الفن، وشرط عليهم أنهم إن غلبوا كافأهم، وإن غلبوا ضربهم، فرضوا. واستمرت المساجلة نحو ثلاث ساعات، غلب النديم، فكانت الحادثة سبب شهرته بين الأدباء والظرفاء.

لقد أخذ بعضهم عليه - فيما بعد - هذا الحادث، وعيره به، وقالوا: إنه رضي أن يقف موقفا يساجل فيه المتسولين، وأن يكون «أدباتيا» مثلهم، ينازلهم ويغالبهم على ملأ من الناس، فمثله مثل المصارعين أمام «الزفة»، ولا يرضى لنفسه هذا الموقف إلا وضيع النفس ساقط الهمة.

والحق أن وضع المسألة هذا الوضع فيه كثير من التزمت والتعنت، كالذي تعرض على مسامعه الفكاهة الحلوة فينتقد فيها خطأ نحويا أو لفظا لغويا، وكمن ينتقد الشيخ الوقور على ما كان منه أيام الصبا، والغني الواسع الثراء على ما كان منه أيام البؤس والشقاء؛ فالمسألة لم تعد أن تكون طرفة لطيفة، وفكاهة ظريفة، وقوانين الظرف تبيح من البحبحة في مجالسه ما لا تبيحه في مجالس الجد والوقار.

أخيرا عاد إلى مسقط رأسه بالإسكندرية سنة (1879م) في نحو الخامسة والثلاثين، وهو أكثر خبرة بالدنيا فيما لقي من عظماء ووجهاء وأدباء، وفيما رأى وسمع وعمل في القصر العالي أيام كان موظفا في تلغرافه، وفي التجارة أيام تاجر وأفلس، وبأخلاق الفلاحين أيام كان يعلم أولاد أحد «عمدهم»؛ ولكنه دخلها كما خرج منها صفر اليدين.

عاد فرأى في الإسكندرية منظرا جديدا لم يكن أيام كان بها، كانت المجالس الأدبية يوم فارقها تتحدث في غزل أبي نواس، ووصف البحتري، وهجاء ابن الرومي ، ومديح الشعراء في إسماعيل، وفكاهات الشيخ علي الليثي؛ فإذا انتقلوا من ذلك فإلى من عارض شعر هؤلاء من المحدثين، وما أنشأه الناشئون من سمار المجلس في مثل هذه الأغراض؛ ولما عاد إليها وجد المجالس تتحدث في نقد إسماعيل لإسرافه وتصرفه، وفي الدول وتدخلها، ورأى جمعية سرية تسمى «مصر الفتاة» يجتمع أعضاؤها فينقدون هذا كله في صراحة حماسة؛ والأدب يتحول فيأخذ شكل الكلام في الأمة ومصالحها، وآلامها وآمالها، ويحتل ذلك مكان غزل أبي نواس، وشعر صريع الغواني؛ والنفوس بفضل تعاليم «جمال الدين الأفغاني» وصحبه ثائرة تتطلع إلى نوع من الأدب غير الذي كان، وتجد غذاءها في الصحف السياسية والمقالات النقدية؛ فيشتغل في الصحافة من هذا النوع «أديب إسحاق»، و«سليم نقاش» في جريدتيهما «مصر» و«التجارة»، ويمدهما جمال الدين وتلاميذه بمقالاتهم وإرشاداتهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٩٦