تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أهم هذه الدلائل تعرف موقف الأمة إزاء ما يحيط بها من ظروف طبيعية واجتماعية: هل هذا الجيل أحسن استخداما لبيئته وما يحيط به؟ هل استطاع أن يوجد منابع لثروته وسعادته أكثر مما استطاع أسلافه؟ هل استخدم المنابع القديمة خيرا مما استخدمها آباؤه؟ هل كان في حله لما يعرض له من المشكلات الاجتماعية والطبيعية أكثر توفيقا؟ لما عرضت هذه المشكلات أو أمثالها لنا ولآبائنا كيف حلوها وكيف حللناها؟ وما منهجهم في الحل وما منهجنا؟ ما مقدار تضافر الأفراد يومذاك في التغلب عليها؟ وما مقدار تضامننا اليوم؟ لكل أمة مقدار من الثروة، فهل زادت، وهل استطاعت اليوم أن تسعد بثروتها أكثر مما كانت تسعد بها من قبل؟ هل استخدمت العلم أحسن مما استخدمه آباؤها فقلت الوفيات وتحسنت صحتها، وجمل منظرها، ونظفت عيشتها، وأصبح نيل القوت أسهل وأيسر حتى تفرغ كثير من أبنائها وبناتها للعلم والفن والأدب؟ أظن أن هذه الأسئلة متى حددت بهذا الشكل لم تكن الإجابة عليها عسيرة، وبذلك نستعين على تعيين الاتجاه ومقدار الرقي، إن كان. •••

ومن ناحية أخرى، ربما عد من أكبر دلائل الرقي في الأمة «تذليل العقبات أمام الكفايات». فخير الأمم من أفسحت السبيل أمام أفرادها ليرقوا كما يشاءون حسب استعدادهم وجدهم، في التعلم، في الوظائف، في النواحي السياسية والاجتماعية. وقد قطعت الأمم المتمدنة في ذلك خطوات واسعة، فأزالت احتكار الأرستقراطية للمناصب العليا، وسهلت وسائل التعلم لمن شاء، واعتمدت في تقدير الأشخاص على مزاياهم لا على بيئتهم - إلى درجة كبيرة - وحاربت «المحسوبية» والنزاعات الأرستقراطية، وقضت على النظام الإقطاعى الذي يميز بين الطبقات، ويضع حدا فاصلا بينهما لا يمكن تخطيه، ووضعت النظم الاقتصادية الحديثة، وفيها يمكن كل فرد بذكائه ومواهبه أن يصل إلى ما يستطيع من رقي - وإن كانوا هم أنفسهم يصرحون بأنهم لم يبلغوا الغاية في ذلك، وأن أمامهم عقبات شاقة ومسافات طويلة يجب أن يقطعوها حتى يسهل على كل فرد تحقيق غايته وبلوغ شأوه. •••

وربما كان كذلك من أهم دلائل الرقي النظر إلى ثروة الأمة، ومقدار ما ينفق منها على «الصالح العام» من مدارس ومصانع ومساجد ومتنزهات وحدائق وماء وإنارة ونحو ذلك. ولست أعني النظر إلى كمية ما يصرف فحسب، ولكني أعني أيضا كيفية الإنفاق، وهل أنفق هذا القدر في أحسن السبل، وهل هناك وجه آخر خير منه؟ كذلك لست أعني ما ينفق في ذلك من ميزانية الحكومة فقط، ولكني أعني أيضا مقدار شعور الأفراد في هذا الباب. ومقدار ما يتبرعون به من أموالهم لهذا الصالح العام؛ فليست ثروة الأمة مقصورة على ميزانية الحكومة، ولكنها تشمل ثمرة الأفراد؛ فالأمة التي لا يشعر أغنياؤها بواجب في أموالهم لفقرائها، أو يشعرون شعورا ضعيفا لا يقوى على استخراج المال من جيوبهم، أمة منحطة إذا قيست بغيرها من الأمم التي كثرت فيها المدارس والأندية والمستشفيات والجمعيات الخيرية من مال أغنيائها.

ومما يتصل بهذا الأمر، النظر في ميزانية الأسر في الأمة وكيف تنفق، فأمة خير من أمة إذا عرفت أسرها كيف توازن بين دخلها وخرجها، وكيف تفرق بين الضروري والكمالي، وما ليس بضروري ولا كمالي، ولم تسمح لنفسها أن تنفق في الكمالي حتى تستوفي الضروري، فذلك - من غير شك - يجعل الأسر أسعد جالا، وأهدأ بالا، وأكثر استعدادا للرقي؛ وهل الأمة إلا مجموعة من الأسر؟ وهل رقي الأمة إلا حاصل جمع رقي الأسر؟ وكما أن أسرة قد تكون أسعد من أسرة، مع أن دخلها أقل وثروتها أضعف، ولكن عقلها أكبر، وتصريفها لمالها أدق، فكذلك الأمم؛ ليس خيرها أغناها، ولكن خيرها من عرفت كيف تستخدم مالها وأحاطت ما تملك بنظم راقية، وكمية كبيرة من الإصلاح تجعل مالها يتضاعف في القيمة وإن لم يتضاعف في العدد؛ فكم من أمة لها ثروة كبيرة طبيعية، ولكن لم تعرف كيف تستخدمها ولا جزءا منها، ولو حلت محلها أمة أخرى لصيرت صحراءها بستانا، وجبالها جنانا، ولجعلت ترابها ذهبا، وأرضها عجبا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٦