تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأهم علاج لهذا النقص عناية العالم العربي بتكوين طائفة من الأدباء تكوينا عربيا غربيا، وإمدادهم إلى أقصى حد بالأدبين معا ليتولوا الإنتاج بعد.

فالأدب العربي فيه الأسلوب وفيه ثروة دفينة قيمة، ولكنها حبات من اللآلئ وسط أكوام من التبن، وحتى هذه اللآلئ لا يحبها الجمهور ولا يعرف قيمتها إلا إذا جليت وعرضت عرضا جديدا.

والأدب الغربي مملوء بالجواهر القيمة وبالموضعات المفيدة، ولكنه نتاج مدنية غير مدنيتنا، ويمثل أنواعا من الحياة غير حياتنا. إن شئت فانظر إلى أكثر الرويات المترجمة تجد أسماء لا توافق ذوقنا، وتجد وقائع في البيوت لا يحدث مثلها في بيوتنا، وتجد أنواعا من الحوار لا يمكن أن تقع بيننا، وهكذا الشأن في كل أنواع الأدب من نثر وشعر؛ وشأن الأدب الغربي شأن الموسيقى الغربية، هي نتيجة أذواق الغربيين وبيئتهم، وليس يستطيع العربي أن يتذوقها إلا بكثير من المران وكثير من تحوير الذوق.

هذه الطائفة التي أدعو إليها تستطيع أن تخدم الأدب العربي، لا من ناحية الترجمة، فالترجمة في الأدب وسيلة لا غاية، والترجمة في الأدب أصعب شأنا وأقل تذوقا من الترجمة في العلم؛ لأن العلم يخدم العقل، والعقل قدر مشترك بين الناس جميعا، أما الأدب فليس قدرا مشتركا. وأدب كل أمة غير أدب الأخرى؛ لأنه يرجع إلى الذوق والعاطفة وهما مختلفان في الأمم؛ ولأن الأدب ظل الحياة فإذا اختلفت الحياة اختلف ظلها لا محالة.

ومن أجل هذا عني العرب في أيام نهضتهم الأولى بترجمة العلوم، ولم يعنوا بترجمة الأدب، وترجموا بعض الشيء من أدب الفرس؛ لأنه كان قريبا لذوقهم، ولم يترجموا الأدب اليوناني والروماني؛ لأنه كان بعيدا عن ذوقهم.

فترجمة الأدب الغربي إلى الأدب العربي يجب أن تعد وسيلة لا غاية، إنما الغاية أن ننتج أدبا لنا أدبا يمثلنا، أدبا يعبر عن عواطفنا. فدراسة الأدب الغربي تعين أكبر إعانة من ناحيتين: من ناحية أن دارسها يستطيع أن يتعلم منها كيف أدى الأدب الغربي عمله، وكيف استطاع أن يملأ فراغ أمته، وكيف نجح الأديب الغربي في أن يغذي شعبه، وكيف تفرعت أنواع الأدب فروعا مختلفة أدى كل فرع منها وظيفته؛ ومن ناحية أخرى هناك نوع من الأدب هو قدر مشترك بين الأمم كلها لا خلاف بينهم إلا في أدائه، كالحكم والأمثال، وكالقصص التي تمثل أخلاق الناس، وكشعر الطبيعة ونحو ذلك؛ فهذا النوع صالح كل الصلاحية لأن ينقل إلى الأدب العربي، ولا يحتاج في تذوقه من القارئ العربي إلا إلى تحوير بسيط.

لست أعتقد أن الأدب العربي يرقى إلا بالجد في تكوين هذه الفرقة، وإمدادها بكل الوسائل، وتشجيعها بكل أنواع التشجيع.

| ولود وعقيم

ركبت من أول محطة لترام مصر القديمة، وهي كهلال الشك، جلد على عظم، وعلى يديها طفل قد جلل بالبياض، وعصبت عيناه، وغطي رأسه ووجهه بشاشة زرقاء.

وركب في المحطة التالية سيدة نصف، أطيب شطريها الذي ذهب، ممتلئة البدن، سمينة الضواحي، فحيت الأولى، وتحادثتا.

والنساء سريعات التعارف، تراهن في طرفة عين يتحدثن إلى من لم يعرفن قبل في أدق الأمور، وأعمق الأسرار، حتى كأنهن صديقات العمر، ورفيقات الصبا؛ فهن يتحدثن بعد دقيقة في السعادة والشقاء، وأوصاف الأزواج، وعيوبهم، والحموات ومصائبهن ومضايقتهن، والدخل والخرج؛ وقد ينتقلن إلى ما هو أدق من ذلك وأصعب، مما لا يستطيع الرجال أن يتكلموا في بعضه إلا بعد عمر طويل، وصداقة متينة، ومشاركة في السراء والضراء.

وبعد لحظة صرخ الطفل وأمعن في الصراخ؛ تحاول أن ترضعه ليسكت فلا يسكت، وتنيمه فلا ينام، وتتبع معه كل الأساليب التي تعلمتها في إسكات الطفال فلا تنجح، وأخيرا تدعو عليه بالموت فلا يستجاب لها!

الثانية :

ما له؟

الأولى :

رمدت عيناه من أيام ثلاثة فشربني المر، وفي الليلة الماضية لم أذق طعم النوم، وأنا طول الليل واقفة على رجلي أذرع الحجرة من أولها إلى آخرها، ومن آخرها إلى أولها، وكلما هدأ وبدأ النوم ذهبت إلى السرير لأنيمه وأنام، فيصرخ ويكرر النغمة عينها ويمثل الدور نفسه إلى الصباح، حتى دار رأسي ومللت الحياة، وتمنيت الموت، ولم أر للحياة طعما مذ رأيت الأولاد، وها أنا ذاهبة إلى طبيب العيون. - أمعك أولاد أخر؟ - نعم، معي خمسة وهذا سادسهم، وقد حاولت بكل الوسائل أن أمنع الحمل بعد أول ولد ففشلت وفشلت؛ ومرة حاولت أن أخلص من جنين فكدت أخلص من نفسي وبقي الجنين؛ ومرة أصبت بنزيف شديد فعرضت نفسي على طبيب، فقال: إنه إجهاض، وليس من أمل كبير في بقاء الجنين، ثم أمرني أن ألتزم سريري ولا أتحرك، وأنام على ظهري دائما، وكتب لي دواء يمنع النزيف؛ فامتنعت من شرب الدواء، وأكثرت الحركة، وعملت كل شيء عكس ما نصح الطبيب رغبة في الإجهاض، ثم مع هذا كله انقطع الدم وثبت الجنين، وهذا هو الذي على يدي. - و«اسم الله عليهم » كلهم ذكور؟ - لا والله! أربعة ذكور وبنتان، وكلهم في الهم سواء، وكل يوم نوع جديد من أنواع العذاب؛ ففي آخر السنة نضع يدنا على قلبنا عند الامتحان، وتظهر النتيجة، فهذا نجح، وهذا سقط بلا ملحق، وهذا له ملحق؛ ونمضي الإجازة في عناء! وتبتدئ السنة، فمن نجح في الشهادة الابتدائية ظهر متأخر الترتيب، فلا نجد له مدرسة أميرية تقبله، والشهادة في يد، والمصاريف في يد، والمدرسة في رفض! ثم هذا صحيح وهذا مريض، وهذا ذاكر وهذا لم يذاكر. ولا تسألي عن وقت ذهابهم إلى المدرسة! هذا يبحث عن جزمته فلا يجدها، وهذا عن طربوشه فلا يجده، ونرى فرد جورب في حجرة وفردا آخر في حجرة أخرى، فلا يكادون يذهبون إلا وقد بلغت الروح الحلقوم؛ وعند مجيئهم من المدرسة، هذا يغضب على الأكل وهذا يرضى، وهذا ينازع ذاك، ولا ينقذنا من كل هذا إلا نومهم؛ ثم هذا الشهر شهر أقساط المصاريف، وهذا الصيف كسوة الصيف، وهذا الشهر كسوة الشتاء؛ وماهية الزوج لا تكفي هذا وذاك، والعيش كله عناء في عناء. وأنت؟ اليس عندك أولاد؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٦٣