تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونزلت بيتا في ضاحية من ضواحي الأسكندرية، فرأيت (فيلا) جميلة على شاطئ البحر، لا يسكن مثلها - عادة - إلا من ورمت جيوبهم، وانتفخت محافظهم، راديو، وبيانو، وما شئت من أسباب النعيم ورفاعة العيش؛ ولكن لفت نظري رجل يلبس قباء، ويحزم وسطه بحزام، وعليه جاكتة بسيطة نظيفة، قد أرخى لحيته، ودفع طربوشه إلى الوراء، يحمل أقمشة على كتفه يكاد ينوء بحملها، وهو من الصنف اليهودي الذي تراه يجول في الشارع كل يوم يبيع (الدمور) و(الزفير) و(الباتستا). حيرني أمر هذه الفيلا بجمالها ونظافتها، وأمر هذا الرجل يخرج صباحا يحمل سلعته على كتفه وقد سمنت، ويعود مساء وسلعته على كتفه وقد هزلت؛ أمستأجر هذا الرجل حجرة صغيرة في البيت، أم قريب فقير لأصحابه عطفوا عليه وأووه، واحتملوا منه أن يعيش بينهم وينزل في مسكنهم؟ - وفي الحق كان هذا لغزا شغلني شرحه، وأعياني حله؛ ثم هدتني المصادفة البحتة إلى استكشاف الأمر وافتضاح السر: هو رب البيت! وعميد الأسرة، وليس فيها إلا زوجه وأولاده؛ ولكن كلهم يعمل، وكلهم يكسب: هذه الخياطة، وإحدى بناتها معلمة بيانو، وهذا ابنه كهربائي، وهذا الآخر يعمل في مصلحة التلغراف، وكل كاسب يعطي ما كسبه لأبيه، ويجمعون من ذلك ما يجمعه موظف وسط أو فوق الوسط، ثم هم جميعا يعلمون كيف يعيشون، وكيف ينعمون بالعيش بأقل نفقة، ويعلمون ما ينفقون وما يدخرون.

قارنت بين هذا الرجل ورجل مصري آخر، كان يجول أمام بيتنا أيضا، ويحمل سلعة كسلعة اليهودي، وينادي على (حرير المحلة)، وتصورته وبؤسه، وتصورت أسرته وبؤسها، وكيف يتحد العملان، وتتباين المعيشتان. •••

ثم نسمع الشكوى الحارة من العمال العاطلين، والمتعلمين العاطلين، ونسمع من يرجع العلة إلى تفشي الأمية حينا، وإلى نوع الدراسة حينا، وإلى غير ذلك من أسباب؛ وليس في نظري سبب أهم من نقص الأخلاق، ولست أعني أخلاق الكتب، ولكن أعني أخلاق العمل، من معرفة طرق الكسب، وإجادة العمل، وحسن العرض، وعدم الأنفة من مزاولة الحرفة مهما حقرت، وضبط الدخل والخرج، وفوق ذلك كله العلم بفن الحياة.

| عاطف بركات

في مدرسة القضاء

1

عزيز علينا أن نقف بالأمس بكرمه ونقف اليوم نؤبنه.

أتت البشارة والنعمى معا

يا قرب مأتمه من العرس

ولكنها الدنيا خط في ماء، أو أثر في بيداء. وما الحياة إلا مهزلة. عمليات حسابية مختلفة الأعداد نتيجتها صفر دائما، يرينا الموت هذه الحقيقة، ولكنها لمعة كلمة البرق، ثم يعود الناس إلى ضلالهم القديم.

تتلمذت للفقيد أربعة عشر عاما، أيام كنت طالبا في مدرسة القضاء وأيام كنت مدرسا مساعدا له في دروس الأخلاق، فطالعت بإمعان وإعجاب صحيفة من حياته غاية في الشرف والنبل والمجد. بل قرأت منه كتابا في التربية والتهذيب ملئ حكمة وروحا وحياة.

درس لنا الأخلاق فابتدع في المادة وفي الأسلوب جميعا، أما في المادة فقد هجر ما كان متعارفا من تدريس الأخلاق على شكل مواعظ تسرد سردا، وانتحى النحو الفلسفي في بحثه بحثا عقليا علميا، فكان يترجم خير ما يقرأ ويمصر ما يترجم، وأحيانا وبالمناسبة ينحي البحث ناحية، ويقص علينا من تجاربه في الحياة ومن مشاهداته في العالم ما يكون خير تطبيق على نظريات العلم.

أما في الأسلوب فكان يرمي إلى أن يعودنا الاستقلال في الفكر والعمل، فكان يلقي الدرس ويشرح نظريته ثم يترك كل طالب يحمل عبء نفسه في كتابة ما سمع وربط الأفكار بعضها ببعض، فكان ذلك من أشق الدروس علينا أولا، وأعودها بالفائدة أخيرا - حتى شعر كل طالب أن درس الأخلاق منحه عينين أخريين نظر بهما للحياة من جديد، وأكسبه قوة على الحكم لم تكن له من قبل، ومنحه قدرة على تقويم الأشياء قيما جديدة.

كان للفقيد دروس أخرى قيمة، ولكن لا بالمعنى المتعارف من الدروس. طريقته فيها أشبه بطريقة سقراط، يظهر في الطلبة أوقات فراغهم فيلتف حوله الكثير منهم، فيتكلم معهم في موضوع تخلقه المناسبة، فيرد عليه الطلبة ويرد عليهم، ويدفع الحجة بالحجة حتى يصل في النهاية إلى تكوين فكرة واضحة عند الطلبة في الموضوع الذي يبحث فيه، فكان ذلك درسا في المنطق العملى من ألذ الدروس.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٧