تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم لم يتغير شيء إلا العقيدة، فتدنوا من سمو التوحيد إلى حضيض الشرك، فتعددت آلهتهم من حجر وشجر وأعواد أخشاب وقبور أولياء، وركنوا إلى ذلك في حياتهم العامة؛ فالزرع ينجح لرضا ولي ويخيب لغضبه، والبقرة تحيا إذا نذرت للسيد البدوي أو مثله، وتموت إذا لم تنذر، وهكذا في الأمراض والعلل والغنى والفقر، كلها لا ترجع إلى قوانين الله الطبيعية وإنما ترجع إلى غضب الأرواح ورضاها. ومثل هذه النفوس الضعيفة التي تذل للحجر والشجر والأرواح لا تستطيع أن تقف أمام الولاة والحكام الظالمين تأمر بمعروف أو تنهاهم عن منكر، فذلوا للحكام والأغنياء كما ذلوا للأخشاب والأحجار. وما زال كل قرن يمر تزداد معه الآلهة عددا وتزداد النفوس ذلة، حتى وصلت الحال بالأمة الإسلامية إلى فقد سيادتها، وانهيار عزتها. ولا يلح آخر الإسلام إلا بما صلح به أوله، فلا بد من العودة إلى الحياة الإسلامية الأولى حيث التوحيد الصحيح والعزة الحقة، ولا بد من هدم هذه البدع والخرافات باللين إن نجح، وبالقوة إن لم ينجح، والله المستعان.

لم ينظر محمد بن عبد الوهاب إلى المدنية الحديثة وموقف المسلمين منها، ولم يتجه في إصلاحه إلى الحياة المادية كما فعل معاصره محمد علي باشا، وإنما اتجه إلى العقيدة وحدها والروح وحدها؟ فعنده أن العقيدة والروح هما الأساس وهما القلب، إن صلحا صلح كل شيء وإن فسدا فسد كل شيء، وطبيعي أن يكون هذا هو الفرق بين رئيس الدين في نجد ورئيس الحكم في مصر. •••

أما بعد، فإن التوحيد الصحيح المطلق المجرد عن شائبة كل تجسيم، المنزه عن كل تشخيص، الذي يصل العبد بربه من غير وساطة ولا وسيلة، مطلب عسير لا يستطيعه إلا الخاصة أو خاصة الخاصة، أما من عداهم فيشعرون بالتوحيد لحظات ثم سرعان ما يتدهورون ويشوب عقيدتهم نوع من التشخيص، وأسلوب من التجسيم على نحو ما، ثم يتخذون من الصالحين وسائل وزلفى - كان ذلك في الجاهلية وكان ذلك في الإسلام بعيد البعثة إلى الآن.

فالمؤرخون يروون أن أهل الطائف لما أسلموا كان لهم بنية على اللات، فأمر النبي بهدمها فطلبوا منه أن يترك هدمها شهرا لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يدخلوهم الدين، فأبى ذلك عليهم وأرسل معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب وأمرهما بهدمها.

وفي الحديث أن العرب كانت لهم في الجاهلية شجرة تسمى «ذات أنواط» كانوا يعلقون بها سلاحهم ويعكفون حولها ويعظمونها، فسأل بعض المسلمين رسول الله أن يجعل لهم كذلك «ذات أنواط» فنهاهم عن ذلك.

ولما جاء عمر شعر أن بعض الناس أخذ يحن إلى العادات الجاهلية القديمة، فرآهم يأتون الشجرة التي بايع رسول الله

صلى الله عليه وسلم

تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر فأمر بها فقطعت.

ولما رأى عمر كعب الأحبار يخلع نعله ويلمس برجليه الصخرة عند فتح بيت المقدس، قال له: «ضاهيت والله اليهودية يا كعب».

وهكذا ما لبث بعض الناس حتى تراجع عن التوحيد المطلق الذي جاء به الإسلام، لأن التحرر من المادة بكافة أشكالها، والإفلات من قيود الحس، والتسامي إلى الله فوق المادة وفوق الحس وفوق التشخيص يتطلب منزلة رفيعة من السمو العلي تعجز عنه الجماهير.

وقال النبي

صلى الله عليه وسلم «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»

ثم سرعان ما اتخذ المسلمون قبور الصالحين وغير الصالحين مساجد، ولم يكن الصحابة الأولون يشدون الرحال إلى المشاهد، ثم كان ذلك، وهكذا كلما مضى زمن كثرت فيه أصناف التعظيم للقبور والأضرحة وكثير من الأشجار والجماد.

وظهر الدعاة والمصلحون على توالي العصور يحاولون أن يردوا الناس عن هذا ويرجعوهم إلى التوحيد وحده، وكلما دعا داع إلى ذلك عذب وأهين ورمي بالكفر والإلحاد كما فعل بابن تيمية، فقد ألف الرسائل في هذا الموضوع وانتقد حال المسلمين في استغاثتهم بالقبور ورحيلهم إليها، وطوافهم بالصخرة في بيت المقدس، ورحيلهم إلى مشهد الخليل ومشاهد عسقلان، وتعظيمهم حتى بعض آثار النصرانية، فعذب وسجن؛ وأتى بعده بقرون محمد بن عبد الوهاب هذا فدعا مثل هذه الدعوة فرمي بالكفر. وأخيرا جاء الشيخ محمد عبده فدعا إلى العدول عن التوسل والشفاعة والزيارة للقبور، وملأ دروسه في التفسير وتفسيره لجزء «عم» بمثل هذه الدعوة، فلقي من أهل زمنه ما لم يغب عن أذهاننا بعد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٦٩