تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمعنى الحزب السياسي جماعة لهم مبادئ معينة يرون أن الحكومة يجب أن تسير عليها لتحقيق مصلحة الأمة، ولهم وسائل معينة في تحقيق هذه المبادئ، ولهم خطة معينة في ترقية الأمة من ناحية يرون أنها أهم النواحي، وهم يعملون للوصول إلى الحكم لتحقيق هذه الأغراض النافعة للأمة.

والحكم في صلاحية حزبهم - أو بعبارة أخرى في صلاحية مبادئهم أو عدم صلاحيتها - هو رأي الأمة في الانتخاب.

ولكن مبادئ كل حزب إذا نزلت من سماء نظريتها إلى حياتها الواقعية تبين أنها في حاجة إلى تعديل وإصلاح، وأن مبادئ الأحزب الأخرى قد يكون فيها من الخير ما ليس عند غيرها، فتتصالح المبادئ.

هنا النظر يلطف حدة كل من المتخاصمين، ويحمل كل خصم على احترام خصمه كما يحترم نفسه، وألا يعتقد أنه هو وحده العاقل الأمين وأن خصمه هو الجاهل الخائن، بل يعتقد أن له وجهة نظر جديرة بالاحترام، ولخصمه وجهة نظر أخرى جديرة بالاحترام كذلك.

وبعد، فلعل ما يصيب الشرق الآن من اضطراب سياسي سببه أنهم لم يعرفوا هذا الخلق ولم يفهموا سره؛ ولذلك لا يجدون أنفسهم في حاجة إلى البحث عن كلمة تدل عليه.

أعتقد أن الخصومات الفردية تتلطف كثيرا بهذا الخلق، وأن الخلافات الحزبية تفقد حدتها إذا سارت عليه.

فهذا الخلق يجعل الأحزاب السياسية المتنازعة تحترم وجهة نظر خصومها. وتنظر إليهم كأشراف لا مجرمين، وتعاملهم الند لا معاملة المتهم، وترى أن الحزب إذا تولى الحكم فليس يحكم حزبه، ولكنه يحكم الأمة على اختلاف أحزابها، فهو مطالب أن يعدل في خصمه كما يعدل في مؤيده؛ وهذا الخلق يجعل صاحبه ينظر إلى خصمه كما تنظر كل فرقة في لعب الكرة إلى الفرقة الأخرى كلهم يتسابقون ويتراكضون، وكل فريق يود الغلبة، ولكن قانونهم جميعا في اللعب هو قانون الشرف؛ فإذا انتهى اللعب صافح كل خصم خصمه، ولا غل ولا ضغينة، وتبين لهم أن الخصومة كانت مصطنعة، وأن الغرض قد تحقق للغالب والمغلوب معا، وهو الرياضة البدنية للجميع.

كم أتمنى أن ينتبه الناس لهذا الخلق «خلق المصلحة» وأن يكرروه وأن يستعملوه في لغتهم وفي معاملتهم، وأن يضعوه في أول ثبت الأخلاق بجانب الصدق والشجاعة والعدل.

| المادة لا تنعدم

هكذا يقول علماء الكيمياء ويشرحون قولهم، ويبرهنون عليه، ويرون أن المادة تتغير وتتحول وتعود إلى عناصرها الأولى، ولكن لا تنعدم؛ والعالم كله كساقية جحا، تغرف من البحر، وتصب في البحر؛ فقد يحترق هذا المكتب الذي أمامي، لا قدر الله، ولكنه لا ينعدم، بل يتحلل إلى عوامله الأولية، وسيتغذي منها النبات، ويتكون منها خشب جديد، قد يكون مكتب المستقبل.

قال الكيميائيون ذلك، وقصروا قولهم على المادة؛ لأنها مادة عملهم، وموضوع تجاربهم.

ولو عرض لهذا فيلسوف واسع النظر، غير محدد البحث، لقال: «لا شيء ينعدم».

إن الأعمال من خير وشر لا تنعدم، بل تنمو وتتحول، وتؤثر وتتأثر، ولكن على كل حال لا تنعدم. إن كذبة واحدة تكذبها على أولادك في بيتك - من غير أن تعيرها اهتماما - لا تنعدم، فسوف تبيض وتفرخ وتنتج كثيرا من أمثالها، وسوف يكذب أولادك، وستخرج الكذبة من حجرتك إلى سائر بيتك، وستخرج من بيتك إلى المدرسة، وستخرج من المدرسة إلى مصالح الناس ومعاملتهم، فكيف تنعدم؟

قد يدق العمل ويصغر حتى لا تراه أعيننا، ولا تسمعه آذاننا، ولا تشعر به نفوسنا؛ ولكنه موجود، يعمل عمله في هذا الوجود، ويفعل وينفعل، ويتسع نطاقه، ويعمل في دوائر مختلفة قد لا تخطر بالبال؛ وما أظنك تجهل أن حصاة ترميها في البحر الأبيض المتوسط لا بد وأن يتأثر بها المحيط الأطلنطي، وإن لم تر ذلك عيوننا؛ والدليل على ذلك بديهي، فلو كبرت هذه الحصاة ملايين المرات، أفلا تؤمن بهذا الأثر؟ إذا فآمن بأن هذه من تلك، وعلى نسبتها ومقدار حجمها. وجزء من ألف من الشعرة له ظل حقيقي، وإن لم تره عيوننا، ولولا ذلك لما كان لألف ألف شعرة ظل، ولما كان لثوبك الذي تلبسه ظل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٤