وأظن أن قد ظهرت موجة علت نفوس الناس تشعرهم بأنهم لم يكونوا بعد العلم أسعد مما كانوا قبل العلم، وتشعرهم بأن المدنية ينقصها شيء كبير.
ما هو هذا الشيء؟
هذا هو الجانب الروحي الذي أشرت إليه؛ ولست أنكر مزية العلم، ولكني أعتقد أنه وحده لا يكفي. إني أفهم من المدنية معنى خاصا، هو أنها «التقدم الذي يقوم به الناس في كل جانب من جوانب الحياة، وفي كل وجهة من وجهات النظر المختلفة»؛ فإذا انحصر التقدم في المادة وحدها والعلم وحده، كانت المدنية ناقصة، كما إذا انحصر التقدم في الروحانية وحدها.
لقد رجحت في المدنية الحديثة كفة المادية، فيجب أن نضع في الكفة الخفيفة روحانية كثيرة حتى تتوازن؛ ولكن ما هذه الروحانية التي نريد وضعها؟
هي أن يخفق القلب بحب الإنسانية كلها؛ فليس هناك أمة مستعمرة وأمة مستعمرة، وليس هناك أسود وأبيض، وليس هناك أصحاب رءوس أموال يتخذون الملايين خدما وعبيدا. هي أن يتجه من بيدهم زمام الأمور إلى الخير العام لا الخير الخاص.
هي أن تلغى الحدود الجغرافية، والحدود الجنسية، والحدود الوطنية، والحدود المالية ونحوها من حدود، ثم يكون المبدأ العام «الإنسان أخو الإنسان يكد ويعمل لخيره».
هي أن يكون مبدأ الإنسانية دينا يبشر به ويعمل من أجله، وتحور مناهج التعليم وقواعد الأخلاق على حسبه.
لو فعلنا ذلك لزالت أكثر شرور المدنية الحديثة من حروب وعطلة وتناحر بين العمال وأرباب الأموال، ولتعاون الشرق والغرب، وتعاون أهل الأديان المختلفة، ولشعر الإنسان بأن أفق تفكيره اتسع، وأفق شعوره اتسع، وشعر أن الأرض كلها وطنه، والناس كلهم إخوانه، ولشاع الحب في جو الأرض، وأصبحنا نستنشقه مع الهواء.
وما لم نصل إلى هذا الحد فالمدنية مجموعة أكاذيب.
| المصالحة
من الواضح أن اللغة الحية تتبع الحياة الواقعية للأمة التي تتكلم بها؛ فإذا استعملت الأمة آلة من الآلات أوجدوا لها اسما للتعبير عنها، وإذا اخترعوا مخترعا أو استكشفوا عنصرا أو ركبوا تركيبا جاءت اللغة مباشرة فكملت نقصها بوضع اسم لذلك الشيء الجديد، فتمشت اللغة مع العلم والفن والصناعة؛ وكذلك الشأن في المعاني، فإذا استكشفوا ظاهرة في علم النفس وضعوا لها اسمها، وإذا شعروا بمعنى من المعاني فكذلك. ويكثر استعمال الألفاظ في اللغة ويقل بقدر وقوع الشيء في الحياة العملية وأهميته؛ على حين أن أمة أخرى لا تستعمل هذا اللفظ في لغتها ولا ما يرادفه ويقابله؛ لأنها لم تشعر بهذا المعنى ولم تستعمله.
سقنا هذه المقدمة لمناسبة أننا رأينا في اللغة الإنجليزية كلمة تدور على ألسنتهم كثيرا، ويستعملونها في كتبهم كثيرا، ثم لا نجد لها مقابلا يستعمل في لغتنا العربية؛ وهذه الكلمة وأمثالها في اللغة الإنجليزية يصقلها الاستعمال، ويتحور مدلولها على مر الأزمان، تبعا لما يجري عليه العمل.
تلك الكلمة هي
Compromise ، وقد تنقلت في استعمالات مختلفة حتى صارت الآن تستعمل بمعنى حسم النزاع بين فردين أو أمتين أو حزبين، وذلك بتنازل كل منهما عن شيء من وجهة نظره ومن مطالبه، واتفاقهما بعد ذلك على نتيجة هي وسط بينهم، أخذت بطرف من هذا وطرف من ذاك، وقربت بين وجهة نظر هذا ووجهة نظر ذاك.
وهذه الكلمة بهذا المعنى تدور في الكتب وعلى الألسنة دورانا كبيرا؛ لأن حياة الإنجليز الأخلاقية والسياسية تخضع لهذا المعنى كثيرا، فهو مسلكهم في فض النزاع بين الأفراد في المعاملات اليومية، وفي الخلاف بين أفراد الأسرة، وفي الأحزاب السياسية، وفي المفاوضات بين الدول، وهكذا؛ وعلى الجملة فقد استعملوا هذا المعنى كثيرا في حياتهم فكثر استعماله في لغتهم.
ولكنا لا نستعمله كثيرا في حياتنا فلم نشعر بما يلجئنا إلى استعماله في لغتنا؛ فإنا إذا تنازع فردان منا أو حزبان صمم كل منهما على وجهة نظره إلى النهاية غالبا مهما كانت نتيجة ذلك من الخراب، واعتقد الاعتقاد الجازم أن رأيه كله صواب لا محالة، ورأي مخالفه كله خطأ لا محالة؛ ولأجل هذا لا يسمح أن يدخل في صوابه شيء من خطأ مخالفه. أما هذا الخلق الذي تدل عليه هذه الكلمة الإنجليزية فيتطلب أن يحترم ذو الرأي رأي مخالفه، ثم يجيز في باطن نفسه أن يكون رأيه خطأ ورأي مخالفه صوابا، أو على الأقل يجوز أن يكون في رأيه بعض الصواب وبعض الخطأ، وفي رأي مخالفه بعض الصواب وبعض الخطأ، فيحملهما ذلك على أن يتقاربا ويتفقا على حل وسط.