تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل هذا كله نال عند الناس منزلة قل أن يطمع فيها طامع؛ يعجب الناس بعقله حتى يقول سفيان: ما وزن عقل الأحنف بعقل أحد إلا وزنه، ويعجبون بسيادته وهيبته حتى يقول القائل:

إذا الأبصار أبصرت ابن قيس

ظللن مهابة منه خشوعا

فلله الأحنف قائدا في الحروب لا يبارى، ولله الأحنف سيدا في قومه مطاعا، ولله الأحنف حكيما مجربا، ولله الأحنف بليغا مفوها، ولله السعدية إذ رأته فقالت: «نسأل الله الذي ابتلانا بموتك، وفجعنا بفقدك، أن يوسع لك في قبرك وأن يغفر لك يوم حشرك، فلقد عشت مودودا حميدا، ومت سعيدا فقيدا؛ ولقد كنت رفيع العماد، واري الزناد، ولقد كنت في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، ومن الناس قريبا، وفيهم غريبا، وإن كانوا لقولك مستمعين ولرأيك متبعين. رحمنا الله وإياك».

| أكاذيب المدنية

لكل مدنية جانبان: جانب يصح أن نسميه «الجانب المادي»، وجانب يصح أن نسميه «الجانب الروحي».

ونعني بالجانب المادي القوة الحسية وما يتبعها وما يمدها؛ فالتسليح وما إليه قوة مادية، والمخترعات الحديثة - من كهرباء وبواخر وقطارات وطائرات وغواصات - قوة مادية، وما اخترع من صنوف الترف - كاستخدام الكهرباء في شئون الحياة، واستخدام القوى الميكانيكية في تنظيم الأعمال - قوة مادية؛ بل إن الوسائل التي تستخدم لهذه الغاية، كالعلوم الرياضية والطبيعية والكيمياوية والطبية هي أيضا قوة مادية؛ لأن نتيجتها في الحياة هي هذه المخترعات والمستكشفات التي تزيد في ترف الناس ونعيمهم من الناحية المادية، بل المدارس والجامعات التي تعلم لهذه الغاية هي قوة مادية للدولة.

والقوة الروحية هي رسم المثل الأعلى للإنسان، والسعي في الوصول إليه، وهي العمل على إصلاح النوع الإنساني بأكمله من الناحية الفردية ومن الناحية الاجتماعية والسياسية، وهي تعويد الإنسان أن يفكر ويشعر ويعمل لخير الإنسانية، حتى تقرب من المثل الأعلى لها، وهي أن يخفق قلب الإنسان بحب الناس جميعا، وبحب الخير العام لهم جميعا، وهي أن يوضع من النظم ومن طرق التربية ومن القوانين ومن المعاهدات ما يحقق هذه الغاية أو على الأقل ما يقرب منها، وعلى الجملة هي تغذية الروح بحب الخير للإنسانية.

وليس يمكن أن تعد المدنية مدنية راقية إلا إذا وجد فيها الجانبان، وكانا معا راقيين، وكانا متوازيين.

فلننظر - في ضوء هذا القول الجميل - إلى المدنية الحديثة، أهي مدنية صالحة؟ أهي مدنية راقية؟ أهي أمل الإنسانية؟

الحق - مع الأسف - أنها ليست كذلك.

لقد نجحت في الجانب المادي نجاحا فوق ما كان ينتظر، وفشلت في الجانب الروحي فشلا أبعد مما كان ينتظر، فأما الذين يهمهم الرواة والمنظر وحسن الشكل والمتعة المادية فقد صفقوا للمدنية الحديثة حتى كلت أيديهم من التصفيق، وبحت أصواتهم من نداء الاستحسان؛ وأما الذين يهمهم من الإنسان روحه لا جسمه، ومن المادية روحها لا مادتها، فنالهم شيء غير قليل من اليأس. أما المادية فحدث عنها ولا حرج، لقد حلقت الطيارات في السماء، وغاصت الغواصات في قاع الماء، وأتت الكهرباء بالسحر الحلال، تضغط على زر فتبعث ما شئت من أنوار، وتضغط على زر فتبعث ما شئت من حرارة، وتضغط على زر فتبعث ما شئت من حركة؛ هذا التليفون بين أوربا وأمريكا ، وهذا اللاسلكى يفعل أعاجيبه، بل كيف أعد والمخترعات لا تحصى عددا، والعجب منها لا ينتهي أبدا، حتى ظننا أن العالم احتفظ بأسراره كلها منذ خلق، ثم باح بها جميعها لرجال المدنية الحديثة، فلم يعد لديه سر، وكل ما في الأمر تصفية حساب الأسرار.

ولكن لا تخدعنك هذه المظاهر، فالمثل العامي يقول: «لا يعجبنك البيت وتزويقه، فساكنه قد جف رقيه»، لا تنظر إلى المكان وانظر إلى السكان.

هذه مشكلات العمال العاطلين، وهذه الملايين المملينة من البائسين، وهذه الحروب الطاحنة في أسبانيا، بين الشيوعيين والفاشستيين، وهذه الدول كلها تتسلح لتقذف بأبنائها جميعا في أتون من نار مساحته الأرض كلها، وهذا وهذه، مما لا يعد من ضروب الشقاء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٠