ثم هو - مع هذا - جريء إلى الوقاحة، يخطب فلا يهاب، ويتكلم في مسألة علمية فلا ينضب ماؤه، ولا يندى جبينه، ويعرض عليه الأمر في جمع حافل فيدلي برأيه في غير هيبة ولا وجل، وقد تبلغ به الجرأة أن يجرح حسهم، ويدمي شعورهم، فلا يأبه لذلك، ويرسل نفسه على سجيتها فلا يتحفظ ولا يتحرز.
يحكم من يراه في حالته الأولى أنه أحيا من مخدرة، ومن يراه في الثانية أنه أوقح من ذئب وأصلب من صخر، ومن يراه فيهما أنه شجاع القلب، جبان الوجه. •••
وهو طموح قنوع، نابه خامل، يرمي بهمته إلى أبعد مرمى، وتنزع نفسه إلى أسنى المراتب، وتحفزه إلى أبعد المدارك؛ فيوفر على ذلك همه، ويجمع له نفسه، ويتحمل فيه أشق العناء، وأكبر البلاء، ولا يسأم ولا يضجر؛ وكلما نال منزلة ملها وطلب أسمى منها. وبينا هو في جده وكده، وحزمه وعزمه، إذ طاف به طائف من التصوف، فاحتقر الدنيا وشئونها، والنعيم والبؤس، والشقاء والهناء. وسمع قول المتنبي:
ولا تحسبن المجد زقا وقينة
فما المجد إلا السيف والطعنة البكر
وتركك في الدنيا دويا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
فهزئ به وسخر منه، واستوطأ مهاد الخمول ورضي من زمانه ما قسم له. وبينا يأمل أن يكون أشهر من قمر، ومن نار على علم، يسافر في الشرق والغرب ذكره، ويطوي المراحل اسمه، إذا به يخجل يوم ينشر اسمه في صحيفة، ويذوب حين يشار إليه في حفل، ويردد مع الصوفية قولهم: «ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه» يعجب من يراه مجدا خاملا، ومعرفة نكرة، وعاملا مغمورا.
وأغرب ما فيه أنه متكبر يتجاوز قدره، ويعدو طوره، ومتواضع ينخفض جناحه، وتتضاءل نفسه. يتكبر حيث يصغر الكبراء، ويتصاغر حيث يكبر الصغراء. يتأله على العظماء حتى تظن أنه نسل الأكاسرة ووارث الجبابرة، ويجلس إلى الفقير المسكين يؤاكله ويستذل له؛ هو نسر أمام الأغنياء، وبغاث لدى الفقراء، لا تلين قناته لكبير، ويخزم أنفه الصغير.
يحب الناس جملة، ويكرههم جملة. يدعوه الحب أن يندمج فيهم، ويدعوه الكره أن يفر منهم، حار في أمره فامتزج الحب بالكره، فاستهان بهم في غير احتقار.
صحيح الجسم مريضه. ليس فيه موضع ضعف. ولكن كذلك ليس فيه موضع قوة. يشكو المرض، فيحار في شأنه الطبيب، فيحنق على الأطباء ويرميهم بالعجز وما العاجز إلا جسمه لم يستطع أن ينوء بنفسه.
كذلك كان رأسه: مضطرب، مرتبك، كأنه مخزن مهوش، أو دكان مبعثر، وضعت فيه النعل القديمة بجانب الحجر الكريم، يؤمن بقول الفقهاء: القديم على قدمه، ثم يدعو إلى التجديد. ويتلاقى فيه مذهب أهل السنة بمذهب أهل النشوء والارتقاء، ومذهب الاختيار بمذهب الجبر، وحب الغنى بمذهب «أبي ذر». وتجتمع في مكتبته كتب خطية قديمة قد أكلتها الأرضة، ونسج الزمان عليها خيوطه، وأحدث الكتب الأوربية فكرا وطبعا وتجليدا. ولكل من هذين ظل في عقله، وأثر في رأسه. يسره «تأبط شرا» في بدواته وصعلكته ، و«جوته» في حضارته وإمارته، ويؤمن بشاعرية هذا وذاك. يسمع إلى الملحدين فيصغي إليهم، وإلى المؤمنين فيحن شوقا لذكراهم. ويهمل في صلاته ويحافظ على صومه، إن ألحد فكره لم تطاوعه طبيعته، وإن كفر عقله آمن قلبه. ومن أصدقائه السكير الزاهد، والفاجر الداعر والعابد؛ وكلهم على اختلاف مذاهبهم يصفه بأنه يجيد الإصغاء كما يجيد البليغ الكلام. •••
سرت معه سيرة من جنسه، فأحببته وكرهته، ونقمت منه ورحمته، وكنت آنس به وأستوحش منه؛ يبعد عني فأتوق إليه، ويطول مقامي معه فأتبرم به.
وأخيرا، لم يقو جسمه على هذه الأضداد مؤتلفة، والمتناقضات مجتمعة. فعاجله الشيب في شبابه، وتقوس ظهره في ربيع عمره، وأصبح مترهل العضل، منسرق القوى، يظنه من رآه أنه بلغ أرذل العمر، ولداته في رونق الشباب وميعة النشاط.