وبعد، فلا أدري من أين أتى اسمك «الكتكوت»، فسأتركك لعلماء اللغة والاشتقاق ومقارنة اللغات، من سريانية وآرامية وفارسية وعبرية وهيروغليفية، لعلهم يجدون لك أصلا. وعلى كل حال فقد أثبت أن فيك مشكلة من مشكلة الحياة العظمى، وهي مشكلة اللغة، وستثبت أن لك مشكلة أخرى أعظم من هذا وأعقد. فهب أن علماء اللغة استنكروا هذه الكلمة، فأين سلطانهم على لفظك الذي تداولته العامة ونطقت به قرونا؟
فهل إذا صدر قرار بمحو هذه الكلمة؛ لأنها ليست عربية يسمع ويطاع؟ على أي وجه من الوجوه أنت مشكلة حتى في اسمك.
هذه هي الخادم قد رمت الحب للكتاكيت، فلا تسأل عما كان بينها من خصام ونزاع، ومباراة وسباق، وضرب وطعان.
وهل الإنسان إلا هذا؟ وهل تاريخ حياته إلا نزاع وصراع! وقد عبروا عن ذلك أصدق تعبير فقالوا: إن الحياة جهاد - أوليس أكبر باب في كتب التاريخ هو تاريخ الحروب والفتوح، وإعلان الحرب، ومعاهدات الصلح! وكل الفرق بينك أيها الكتكوت وبين الإنسان أنك استعملت في جهادك ونزاعك منقارك الوديع، وجسمك اللين الغض، وجاء الإنسان الراقي، فاستعمل في الحصول على غذائه الكذب والخديعة والرياء والنفاق، واستعمل في مدافعة خصومه كل طرق الكيد والدهاء، واستخدمت الجماعات في حربها كل أنواع المدمرات والمهلكات - وقد أعطى الإنسان عقلا أرقى من عقلك لينظم عيشه فأفسده، ولينظم السلم فنظم الحرب، وليعاون أخاه فعاداه.
أيها الصندوق!
فيك تنازع البقاء وبقاء الأصلح، فيك استكانة الضعيف وغلبة القوي، فيك الضعيف يكره العراك، وفيك القوي يصول ويجول ويدعو إلى النزال، فيك الجمال، وفيك القبيح. - استأنست أيها الكتكوت بالإنسان صغيرا، ثم علمتك التجارب ففررت منه كبيرا.
وكنت مادة صالحة للغذاء، كما كنت مادة صالحة للأدب، فمن قديم استعيرت منك الاستعارات اللطيفة، والأبيات الجميلة، فقد قال الشاعر:
أرى فتنة هاجت وباضت وفرخت
ولو تركت طارت إليها فراخها
وفي حديث عمر: «يا أهل الشام تجهزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ».
ثم قالت العامة: «الكتكوت الفصيح من البيضة يصيح».
وأخيرا، فيك سر الحياة الغامض - كيف دبت الحياة فيك يوم كنت بيضة، وكيف تطورت جنينا، وكيف نبض قلبك لأول مرة، وكيف خرجت إلى هذا الوجود، وكيف تموت، ولم خرجت ولم تموت؟ لو أفصحت لنا عن كل هذه الأسرار لكشفت سر الوجود، ولما كان هناك مجال لفلسفة ولا حكمة؛ ولكنك أعجزت الفلاسفة، إذ كتمت سرك بين جناحيك، فهامت الفلاسفة على وجوهها، وارتبكت في تفكيرها.
إذا فيك أيها الصندوق الصغير، كل ما في العالم الكبير، من معاني الحياة وغوامضها وأسرارها، وفيك كل مظاهر الإنسان على تبجحه وغروره - وفيك ما حير العقول قرونا، وأجهد الفكر أجيالا. وهل العالم إلا لغز، لو حل جزؤه لحل كله؟ ...
| الأحنف بن قيس
ضئيل الجسم، صغير الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، غائر العينين، خفيف العارضين، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بحظ، تنبو عن مرآه الأحداق، وتتفادى من شخصه الأبصار؛ وهو مع هذا سيد قومه، سيد تميم، وهي ما هي في العظمة، إن غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب؛ خطير النفس، بعيد المرمى، ما زال يسود حتى بلغ مرتبة لا يسمو إليها أمل، ومنزلة لا يتعلق بها درك؛ إذا أوفد وال وفدا إلى خليفة فالأحنف أحد أعضائه أو رئيسه وخطيبه؛ وإذا اختلف الأمراء على الخلافة فالأحنف أول من يفكرون في اصطناعه، وإذا حزب الأمر وعظم الخطب، فالأحنف من يفزع إليه في المشورة. دوى اسمه بين المسلمين في الأحداث الأولى للإسلام، وخرج منها - على كثرتها وتعقدها واضطراب الهواء فيها - نقي السيرة يقر بعظمته من كان له ومن كان عليه، وظل اسمه علما رفيعا في نواح مختلفة على مر الأزمان؛ إن أرخت الحروب الإسلامية فأحد قادتها وغزاتها، وإن ذكرت الأخلاق فأحد أشرفها ونبلائها، وإن أرخ الأدب والخطب والحكم والأمثال فهو ابن بجدتها.