تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبسم ضاحكا من هذا القول وصمت قليلا ثم قال: إن كلا من الذوق والعاطفة والخيال له حالة يكون فيها صحيحا سليما، وحالة يكون فيها مريضا؛ فالعقل قد يمرض فيكون جنونا، والذوق قد يمرض فيجد الحلو مرا، والعاطفة قد تمرض فتغلي أو تبرد، والخيال قد يمرض فيكون وهما، فاعتمادنا على الذوق كاعتمادكم على العقل، كلانا يعتمد على صاحبه في حال صحته، والذوق إذا صح أرشد إلى خير مما يرشد إليه العقل، وأين التفاهم والاتفاق في عقولكم؟ ها أنتم تخضعون للعقل فانظروا مصيركم، هل يتفاهم عقلاؤكم؟ وهل تتفقون في مجالسكم وأحاديثكم وتصرفاتكم؟ إن لكل إنسان عقله كما أن لكل إنسان ذوقه، وهل تظن أن العقل أداة صالحة لفهم الحقيقة؟ وما هذا العقل الذي تمجده؟ إنه خادم الغرائز والشهوات، إنه ليس منظما لحياتنا اليومية، إنه ليس قائدا لسلوكنا، إنما هو تابع لأغراضنا، إنه يخدم الحق والباطل؛ والمحاميان في قضية واحدة يجدان منطقا يخدم مطالبهما المتناقضة، لولا الذوق والعاطفة يلطفان من حدة العقل في هذه الحياة ما صلحت، ما الوطنية وما القومية وما حب الآباء لأبنائهم؟ إنها سخافات في نظر العقل المجرد، ولكنها تحكم الدنيا وتسير العالم، الفرق بيننا - نحن الصوفية - وبينكم أنتم العلماء أننا نعتمد على نفوسنا وتعتمدون على حواسكم، نطهر أنفسنا ونصفيها فيلمع فيها نور الحق، وتدورون أنتم حول العالم الخارجي تودون معرفة الحق عن طريق حواسكم، وهيهات أن تصل الحواس وما يتبعها من عقل ومنطق إلا إلى الظواهر الخارجية، إذا أردت أن تعرف شيئا فإما أن تلف حواليه وإما أن تتغلغل في باطنه، فالأولى هي طريقتكم والمعرفة بها معتمدة على حواسكم، وتقويمها راجع إلى مشتهياتكم، ومحدود بزمانكم ومكانكم وظروفكم، أما طريقتنا نحن فتجلية مرآة نفوسنا حتى تنطبع فيها الحقيقة مجردة عن الزمان والمكان والظروف والتشهي، إنا نعتمد على البصيرة وتعتمدون على البصر، إنكم بحواسكم عددتم الأشياء حسب مظاهرها، ونحن وحدنا الأشياء حسب حقيقتها، فالخلاف بينها في العرض لا في الجوهر، فالحقيقة واحدة والأشكال متعددة، وربما صدكم التعدد عن رؤية الواحد؛ وليست الشرور والرذائل إلا مظاهر عارضة للحقيقة الواحدة، وليس هناك في الحقيقة تقسيم لخير وشر ...

وإلى هنا اندفع في قوله، وشطح في تفكيره، فكاد يغيب عن وعيه، ولم أفهم ما يقول، وأبعد في رمزه فلم أتابعه في سيره، وانتهزت أول فرصة أرده فيها عما لم أفهم إلى ما أفهم.

الفصل التاسع والعشرون

| نزعة صوفية ومزاج رمزي (2)

أهم ما امتاز به هذا الصديق - رحمة الله عليه - شيوع الحب في نفسه، والسعة العظيمة في قلبه، كان يحب الصديق ويفهم العدو فيحبه، ويحب المؤمن ويرحم الكافر فيحبه، ويحب الحيوان والأطفال، ويحب الأمة غير أمته والعبادة غير عبادته، وكثيرا ما ينشد قول ابن العربي:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

وقول ابن المعتز:

قلبي وثاب إلى ذا وذا

ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي

ويرحم القبح فيهواه

واسع الصدر لكل رأي، واسع النفس لكل عاطفة، راحم حتى لمن أساء إليه، كان يرى الناس إذا غاض حبهم وضاق قلبهم عاشوا في كوخ مظلم، وهو بسعة نفسه وسعة قلبه يعيش في قصر منير، إنهم يلتصقون بالأرض وهو يحلق في السماء ، إنهم يشقون بالكراهة وهو يسعد بالحب، إنهم يضجرون لضيق الأفق وهو يرتاح للا نهاية. •••

يرى كل شيء من الله، فهو يحب الله ويحب ما صدر عنه، ويرى كل كراهية منشؤها الجهل، فمن عرف عفا، ومن عرف أحب.

له عين ترى محاسن الأشياء ولا ترى عيوبها، كالمسيح مر هو وأصحابه على جيفة، فقالوا: ما أنتن رائحتها! فقال: ما أجمل بياض أسنانها! •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٤٤