تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن نظرنا إلى الذكاء، فالذكاء مشاع بين المتعلم والجاهل؛ وإن نظرنا إلى حكمة التصرف، والحزم في إدارة الأمور، وتدبير شئون الحياة - فذلك أيضا أمر مشاع بين الناس؛ ففيم غرور المتعلمين وإنشاؤهم أرستقراطية بجانب أرستقراطية الأموال والأعمال والطبقات؟ يطالبون أن يكال لهم المال جزافا، ويطالبون ألا يهينوا أنفسهم في عمل، ويطالبون أن يكون ميراثهم من آبائهم أكبر نصيب، ويطالبون أن يكون زبدة ما تخرجه الأمة لهم، وحثالته لما يسمونه الجاهلين.

ما أسعد الأمة تخفف من غلوها في أرستقراطيتها - بجميع أنواعها - وتقلد الطبيعة في ديمقراطيتها واعتدالها.

| ما فعلت الأيام

عرفته بالإسكندرية منذ عشرين عاما، شابا رقيق البدن، ضئيل الجسم، مسنون الوجه، شاحب اللون، أظهر مميزاته الرقة والتواضع والتدين، حيي الطبع، شديد الخجل؛ إن جلس في قوم اعتقل لسانه، وأطرق رأسه وأرخى عينيه، وإن صدرت منه هفوة أو شيء ظنه هفوة تمنى لو ساخت به الأرض، وظل يحاسب نفسه ويطيل تأنيبها؛ فآثر الانفراد وأخلد إلى الوحدة، واستأنس بالوحشة؛ فقلت معرفته بالناس، وقلت معرفة الناس به؛ لا يعرف من العالم إلا مدرسته التي يدرس فيها، وبيته الذي يأوي إليه، ومسجده الذي يتعبد فيه ؛ فأما الحياة وشئونها، وجدها وهزلها، وملاهيها وألاعيبها، فلا يدري منها شيئا؛ لا يجلس في مقهى لأنه يخل بمروءته، ولا يذهب إلى تمثيل أو سينما؛ لأنهما لا يخلوان من امرأة سافرة، ولا يشتري شيئا من بقال عنده لحم خنزير خوفا من أن تكون سكينه التي يقطع بها الجبن والحلوى قد مست الخنزير، فلا يطهرها مسح، إنما يطهرها غسل سبع مرات إحداهن بالتراب، ويغض طرفه إذا سار حذر أن تقع عينه على امرأة.

أعز شيء عليه في الوجود دينه، ومثله الأعلى رجل ظهارته دين، وبطانته دين. تفتير عينيه في خشوع دليل على أنه قضى شطر ليله في عبادة ومناجاة. أسبل عليه الدين نوعا لطيفا من الرضى بالقضاء والقدر، فلا يأسى على فائت، ولا يجزع على ميت، ولا يستخفه الفرح لخير، ولا يغلو في الحزن على شر؛ راض بما كان وما يكون، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس؛ الرجل الطيب عنده من تدين، ورجل السوء عنده من لم يتدين، ويستحيل على رجل أن يكون طبيبا إذا شرب كأسا من خمر، أو لعب لعبة ميسر، أو ترك صلاة أو زكاة. يوفق دائما بين أعماله في الحياة وأوامر الدين - إذا أراد الرياضة ذهب إلى سيدي بشر لزيارته، أو لسيدي جابر لصلاة الجمعة فيه، أو أخذ جزءا من «الإحياء» وذهب إلى ربوة عالية يخلو فيها بنفسه ودينه وكتاب «الإحياء». وإن أراد أن يحفظ شيئا من الأدب حفظ في «نهج البلاغة»؛ لأنه يجمع بين البلاغة والدين، وإن عرضت فرصة في دراسته للغة العربية خرج من اللغة إلى الدين، وانقلب واعظا لتلاميذه، حتى استطاع أن يكون منهم فرقة دينية تلتزم الصلاة والصوم وشعائر الدين.

عرفته اتفاقا، ولست أدري الآن سبب المعرفة وكيف كانت، وكل ما أذكره أني عرفته، وفي لمحة تحولت المعرفة إلى صداقة فحب، فكان من خاصة إخواني وأقربهم مودة إلى قلبي، يأنس بي وآنس به، ويفضي إلي بدخيلة نفسه وكامن أسراره، عطفني عليه ظرف فيه، وأرأفني به رقة حواشيه، ملأ نفسي رحمة عليه قسوته على نفسه وأخذه لها في كل شيء بالأشد الأحزم، قد ملك الدين عليه نفسه، فروعه من كل نعيم خشية الحساب، وهول عليه كل لذة خوف العقاب، وغلبت عليه في كل تصرف فكرة الموت مخافة ما بعده، إن قال له قائل: «ولا تنس نصيبك من الدنيا» قال: «لتسألن يومئذ عن النعيم».

على كل حال نعمنا بالصداقة حينا تساهمنا فيه الوفاء، وتقاسمنا الصفاء، أسافر إلى الإسكندرية فأرى أول واجب علي أن أزوره، ويحضر إلى القاهرة فيرى أول واجب عليه أن يزورني، وأكتب إليه، ويكتب إلي، ثم عفى الزمان على الصداقة ففترت حرارتها، وخمدت جذوتها، لا لسبب إلا أن الصداقة ككل حي إذا لم تغذ بالمقابلة والمكاتبة أسرع إليها الذبول فالفناء. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٢