فالخصومة بين الأدباء من هذا الصنف، ولذلك قل أن تجد خصومة بين أديب وعالم أو أديب وموسيقي؛ لأن ميدان السباق بينهما مختلف، إنما يخاصم الأديب الأديب؛ لأنهما من واد واحد، ويريد كل أن يكون له السوق وحده، فإذا شعر من أحد أنه يزاحمه في ميدانه خاصمه وهجاه، وقلل من شأنه وشأن أدبه، وفعل الآخر مثله، فكانت النقائض والمهاجاة ونحو ذلك، وعلى قياس ما سبق كلما كانت درجة الأدباء متقاربة كانت الخصومة بينهم أشد، والمهاجاة أعنف، وقد يتصافى الأديبان ظاهرا ويتخاصمان باطنا، فتكون الخصومة دفينة تنتظر عود الثقاب ليشعلها، وقد يمر زمن طويل قبل أن يشتعل هذا العود، وكلما زاد أحد الأدباء حظوة عند القراء أو أخرج كتابا أقبل عليه الناس، ازداد خصومه غيرة فراحوا يقللون من شأن نتاجه، ويتمحلون الأسباب في انتقاصه، وقد تتكون حول كل أنصار وحول كل خصوم فيكون النزاع بين جماعات لا بين أفراد.
ولكن من الحق أن نقول: إن الغيرة ليست كل شيء في الموضوع، فقد تكون تربية الأدباء وثقافتهم سببا في الخصومة بينهم، هذا أديب نشأ نشأة عربية خالصة، ولم يقرأ إلا لشعراء العرب، ولم يطلع إلا على الكتب العربية، فعنده أن الأدب الغربي تافه ثقيل الظل، وخير مثال يحتذى هو أسلوب الجاحظ أو أسلوب البديع أو شعر المتنبي أو أبي تمام، وهذا أديب أخذ حظه من أدب الغرب، ومزج بين الثقافتين وفضل الأدب الغربي على الأدب العربي، وصار المثل الأعلى له أن يحاكي شكسبير أو لامارتين أو جوته، فهو يريد أن يطعم الأدب العربي بخير ما في الغربي، ويريد أن يجدد في بحور الشعر وفي موضوعاته وفي ميادينه، فتنشأ الخصومة العنيفة، وهي في الواقع خصومة بين مدرستين ونزاع بين مذهبين؛ هذا يتعصب للقديم ولا يريد أن يتحول عنه أنملة، ويريد أن يتبع عمود الشعر كما كانوا يعبرون، وهذا ثائر لا يرضى عن القديم إلا أن يمزجه بجديد، وقد كانت هذه الخصومة في كل عصر تقريبا، عاب الناس على أبي تمام تجديده ونصره قوم، وهاجم العقاد والمازني شوقيا وحافظا لهذه النزعة بعينها ونصرهما آخرون، وسيصبح الحديث قديما ويعيبه جيل المستقبل ويريدون جديدا، وهكذا سنة الله في كل شيء حتى في الأدب.
وسبب آخر في الخصومة كثيرا ما يحدث، وهو الخصومة بين شيوخ الأدب وشباب الأدب، وهي خصومة - لا شك - واقعة، غاية الأمر أن المسألة ليست بالسن، فقد يكون شيخا وهو من أدباء الشباب، وقد يكون شابا وهو من أدباء الشيوخ؛ لأن المسألة ليست تقدير عمر، إنما هي نزعة، والنزعة إلى التجديد قد يشترك فيها شيوخ وشبان، والنزعة إلى المحافظة قد يشترك فيها شيوخ وشبان.
والخصومة بين الشيوخ والشبان ترجع إلى عوامل مختلفة: منها: هذا الذي ذكرنا من اختلاف النزعات، ومنها: أن الشبان قد يكرهون من الشيوخ استيلاءهم على السوق وكثرة الزبائن فينفسون عليهم ذلك ويريدون أن يهدموهم ليحلوا محلهم، ويدافع الشيوخ عن مراكزهم فتكون المعركة مروعة تختلف فيها الأسلحة وآلات القتال، وقد يكون السبب أن الشاب إن كان ناشئا في الأدب رأى من وسائل شهرته أن ينازل شيخا، فإن ظفر به فقد فاز فوزا عظيما؛ إذ غلب عظيما، وإن لم يظفر به فليست هزيمة منكرة، ويكفيه فخرا أنه ناوشه، فهو كاسب على كل حال.
وبعد، فكل الناس يتخاصمون، تاجر يخاصم تاجرا، وصانع يخاصم صانعا، ورب أسرة يخاصم رب أسرة، وأمة تخاصم أمة وتقاتلها، ولكن الأدب هو الذي يظفر بتخليد خصومته، فقد ذهبت كل الخصومات في العهد الأموي وبقيت خصومة جرير والفرزدق، وذهبت خصومات الناس في العصر العباسي وبقيت خصومة الخوارزمي والبديع، وخصومة المتنبي وأعدائه، وهكذا.
وكم تساب الناس وذهب سبابهم، أما سباب الأدباء فباق خالد، وهو طرفة، وهو إبداع، وهو يثير التبسم ويستخرج الضحك أو الإعجاب، وسبب ذلك أن الأديب طويل اللسان، وقلمه أطول من لسانه، وهو ماهر فنان يستطيع أن يصوغ سبابه في قالب فني يكسبه الخلود، أما سائر الناس فمساكين، إما قصار اللسان، وإما طواله، ولكن ليست لهم القدرة الفنية.