تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس الاستغلال الصناعي يعود على الأمة بالخير من ناحيتها المادية فحسب، بل من ناحيتها الخلقية والاجتماعية أيضا، فالأمة الصناعية أرقى - عادة - من الأمم الزراعية في عقلها وخلقها وإدراكها لحقوقها الاجتماعية وواجباتها القومية، فإذا أضفنا إلى طبقتنا الزراعية طبقة أخرى صناعية، كان لنا من ذلك طبقة أخرى جديدة أشد نشاطا وأصلح حياة وأرقى إدراكا، تكون مع الطبقة الزراعية مزاجا منسجما، ومزيجا متجانسا. •••

دعاني إلى الكتابة فيه هذا الموضوع رحلة في الصحراء مع صفوة من الأصدقاء في عطلة هذا العيد، فاخترقناها من أسيوط إلى الواحات الخارجة فالداخلة، وعهدي بالواحة الخارجة قديم، فقد عينت فيها أول ما عينت قاضيا، وجبت بلادها، وزرت أكواخها؛ وعاشرت أهلها، وقضيت بين خصومها، فلما زرتها هذه المرة بعد أكثر من عشرين عاما، حننت إليها حنيني إلى الشباب، ووقفت على دورها القديمة، وقلت: هنا كنت أسكن، وهنا كنت أقضي، ورأيت أكثر من عرفت قد اخترمتهم المنية، وعدا عليهم الزمن، ورأيت مظاهرها الخارجية قد حسنت، وأصبحت تعجب الناظرين، فقد تحولت من مركز يديره معاون إدارة إلى محافظة يسكنها محافظ، فشوارعها قد اتسعت، ومدخلها نسق بالأشجار، وهذا ناد للموظفين، وهذه استراحات للحكومة، ومع هذا فالشعب بائس كما تركته، فقير كما تركته، مريض كما تركته، وموارده النخيل كما تركتها، والأرض الخفيفة القليلة كعهدي بها، والحيوانات الهزيلة كما خلفتها.

ورحلنا إلى الواحات الداخلة، فوجدنا منجما جديدا يكتشف، وكنوزا وافرة يهتدى إليها.

وكانت هناك منذ القدم مياه على بعد قريب من الأرض يعثر عليها، فإذا مدت الأنابيب إليها خرج ماؤها يسيح على وجه الأرض يستقون منه، ويزرعون به أرضهم القليلة الضعيفة، ثم تقل المياه، وتطمر عين وتفتح عين، والماء محدود، العيون يؤثر بعضها في بعض، تتأثر العليا منها بالسفلى.

فمن عهد قريب أرادوا تجربة النزول بالأنابيب إلى عمق أبعد، واختراق طبقة أسفل، فما إن دقوا أنابيبهم ووصلوا إلى ثمانمائة قدم حتى تدفقت المياه على سطح الأرض في غزارة عجيبة، وإذا بالعين الواحدة تقذف خمسة عشر ألف طن في اليوم من غير آلات رافعة، ومن غير أي عناء، ثم تجرب التجربة نفسها في أربعة مواضع فتخرج عيون أربع كالتي وصفنا، ويدل البحث على أن هناك مساحات فسيحة في أعماق الأرض تدخر هذه المياه في وفرة عظيمة وغزارة عجيبة، فماذا كان؟

هل حللت هذه المياه لمعرفة عناصرها، وما تحتويه من مواد وما لا تحويه؟ وما هو نوع الزرع الذي يناسبها والذي لا يناسبها؟ هل اختبرت المياه وعرف ما تفيد من الأمراض وما لا تفيد؟ هل رسمت خطة منظمة للانتفاع بهذه المياه الدافقة؟ هل تعاونت وزارة الزراعة ووزارة الأشغال ووزارة الصحة في استغلال هذه المياه؟ فالأولى تنظم الزراعة، وتشير بطرقها وما يصلح لها، والثانية تنظم الري، وتستخرج كمية المياه المطلوبة، والثالثة تنتفع بها من الوجهة الصحية، وتمنع ما ينجم من ركودها من أضرار؟ لا شيء من ذلك كله، وكأن العيون قد نبعت في المريخ، وقد رأيت المستنقعات حولها تتكون، والأيدي العاملة لا تتناسب وغزارتها، وكأن العيون عز عليها سوء استقبالها، فتسربت إلى الرمال لتعود إلى أعماقها في خجل وخزي، وسمعت بعض أولي الأمر هناك يشيرون بسدها إلى أن يستيقظ النائم، ويجد الخامل.

رحماك اللهم! لو نبعت مثل هذه العيون في أمة يقظة، لحولت ما حولها جنانا ناضرة، وبساتين مزهرة، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، ولأزالت البؤس وأجرت النعيم، ولأفنت العطالة، والتهمت البطالة، ولرأيت المستشفيات تبنى حولها، والمشاتي تقام في نواحيها، والمواصلات تمد إليها؟ ولرأيت ثم نعيما وملكا كبيرا، ولكن وا أسفاه؟ عز العقل المدبر، وضعفت الهمة النافذة، فلننتظر حتى يأتي إليها من غير أهلها من يعرف كيف يستغلها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣٥٠