تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من العقيدة ينبثق نور باطني يضيء جوانب النفس، ويبعث فيها القوة والحياة، يستعذب صاحبها العذاب، ويستصغر العظائم، ويستخف بالأهوال؛ وما المصلحون الصادقون في كل أمة إلا أصحاب العقائد فيها.

الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغي لأماني الجسد، ويثير الشبهات، ويبعث على التردد؛ والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ، وتنسف الشك والتردد؛ وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح.

ليس ينقص الشرق لنهوضه رأي، ولكن تنقصه العقيدة؛ فلو منح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه وحال حاله، وأصبح شيئا آخر.

وبعد ، فهل حرم الإيمان مهبط الإيمان؟

| الكيف لا الكم

روي أن ابن «سينا» كان يسأل الله أن يهبه حياة عريضة وإن لم تكن طويلة؛ ولعله يعني بالحياة العريضة حياة غنية بالتفكير والإنتاج؛ ويرى أن هذا هو المقياس الصحيح للحياة؛ وليس مقياسها طولها إذا كان الطول في غير إنتاج؛ فكثير من الناس ليست حياتهم إلا يوما واحدا متكررا، برنامجهم في الحياة: أكل وشرب ونوم؛ أمسهم كيومهم، ويومهم كغدهم؛ هؤلاء إن عمروا مائة عام فابن سينا يقدره بيوم واحد؛ على حين أنه قد يقدر يوما واحدا - طوله أربع وعشرون ساعة - بعشرات السنين إذا كان عريضا في منتهى العرض؛ فقد يوفق المفكر في يومه على فكرة تسعد الناس أجيالا، أو إلى عمل يسعد آلافا؛ فحياة هذا - وإن قصرت - تساوي أعمار آلاف، بل قد تساوي عمر أمة؛ لأن العبرة بالكيف لا بالكم.

وليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

ولعل ساعة اجتمع فيها أقطاب الأمم الأربعة، فانتهوا فيها إلى السلم، وأنقذوا أرواح الملايين من البشر، ومنعوا من الكوارث ما لا يعلم هوله إلا الله، خير آلاف آلاف من سنين صرفت في التسلح وما إليه.

وتقدير الأشياء بالكيف لا بالكم، منزلة لا يصل إليها العقل إلا بعد نضجه. أما الطفل في نشأته، والأمة في طفولتها، فأكثر ما يعجبهما الكم؛ فالريفي خير «الخيار» عنده ما كبر حجمه وبيع بالكوم، والمدني خير «الخيار» عنده ما نحف جسمه وكان «كالقشة» وبيع بالرطل. والطفل وأشباهه يرغبون بكثرة العدد لا بجودة الصنف؛ فحيثما مررت في الشارع أو زرت متجرا رأيت أكثر الترغيب بالكم «فأربعون ظرفا وجوابا بتعريفه»، و«دستة أقلام رصاص بصاغ»، وهكذا؛ وسبب هذا أن البيع والشراء يعتمدان على أدق قوانين علم النفس، والباعة من أعرف الناس بهذه القوانين التي تتصل بعقلية الجمهور؛ فهم يعلمون أنهم أكثر تقويما للكم، وأكثر انخداعا بالعدد؛ فهم يأتونهم من نواحى ضعفهم وموضع المرض منهم، وقل أن يرغبوهم في الشيء بأنه من «العال» أو «عال العال»؛ لأن هذا تقدير للكيف، وليس يقدره إلا الخاصة.

وكل إنسان قد مر بدور الطفولة، والأمم جميعها مرت كذلك بهذا الدور؛ فعلق بأذهانهم تقدير الكم، ولم يستطيعوا أن يتحرروا منه مهما ارتقوا؛ وأصبحوا - حتى الخاصة منهم - ينخدعون بالكم من غير شعور وبلا وعي؛ وصار هذا مرضا ملازما، إنما يتحرر منه الفلاسفة وإلى حد. ألا ترانا نرى الرجل الضخم حسن الهيئة جميل الطلعة فنمنحه الاحترام ولو لم نعرف قيمته؛ ونرى الرجل صغير الجسم غير مهندم الثياب فنحتقره أول وهلة من غير أن نعرفه؛ وأساس معاملتنا بالإجمال احترام ذوي المظاهر الجميلة حتى يثبت العكس، واحتقار ذوي المظاهر الوضيعة حتى يثبت العكس، وليس ذلك إلا من خداع الكم؛ ولو أنصفنا لوقفنا على الحياد من الجميع حتى نتبين الكيف.

ونرى ذا العمامة الكبيرة واللحية الطويلة، فنعتقد فيه العلم والدين، مع أنه لا علاقة بين كبر العمامة وطول اللحية وبين العلم والدين؛ وإن كانت ثمة علاقة فعلاقة الضدية؛ لأن الدين محله القلب، والعلم موطنه الدماغ؛ وإذا ملئ القلب دينا والدماغ علما احتقر المظهر وأبى أن يدل على دينه أو علمه بمظهر خارجي؛ بل هو إن امتلأ دينا وعلما أنكر على نفسه الدين والعلم، واعتقد أنه أبعد ما يكون عما ينشده من دين وعلم؛ وكذلك الشأن في اللباس الجامعي واللباس الكهنوتي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٣