تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان مخشي اللسان، يهرب الوجهاء والأعيان إذا سمعوا صوته من بعيد، حتى لا يقذفهم بقذيفة من لذعاته تسير في الناس؛ وكان كافور يعجب كيف يسكت المصريون على سبه ويقول: «سبحان من سلط سيبويه عليكم ينتقم منكم وما تقدرون على الانتصار».

وما السبب في هذا إلا أنه كان يعمد إلى الرؤساء فيرميهم بكلماته القارصة، تصيب منهم مقتلا، ويسر الشعب من هذا؛ لأنه يعبر عما في نفوسهم، وينتقم من خصومهم، ويجرؤ بجنونه على ما لم يجرؤ عليه عقلاؤهم؛ وكان يستطيع بلسانه أن يصل إلى ما يتحرج من ذكره المتدينون. لقد كان يوما يؤاكل ابن المادراني الوزير وعنده هارون العباسي، فقدمت هريسة، فقال هارون: أكثر منها يا سيبويه فإنها تذهب بالوسواس من رأسك؛ فكف سيبويه عن الطعام وأخذ يفكر، فقالوا: فيم تفكر؟ قال: أفكر في امتناع إبليس عن السجود لآدم، والآن ظهر عذره - علم إبليس أن هذا في صلب آدم فلم يسجد له، ولو عرض على كلاب اليهود أن تسجد لنسبة هذا في ظهرها ما فعلت.

ونحو هذا من أنواع الهجاء القاسي.

وهو مع هذا أديب ظريف، له نظرات في الأدب جميلة. يقول: إن أفضل الكلام ما اعتدلت مبانيه، وعذبت معانيه، واستسلس على ألسنة ناطقيه، ولم يستأذن على آذان سامعيه.

وقد هجا بعض الناس شيخا من شيوخه فقال سيبويه:

ما يضر البحر أمسى زاخرا

أن رمى فيه صبي بحجر

وسمع بيت المتنبي:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

عدوا له ما من صداقته بد

فقال: هذا كلام فاسد؛ لأن الصداقة ضد العداوة، ولو قال:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

عدوا له ما من مداراته بد

لكان أحسن وأجود.

وبلغ المتنبي هذا النقد فذهب إلى سيبويه وسمعه منه فتبسم وانصرف؛ فصاح سيبويه: «انبكم!»

ومع هذا فلما سمع قول المتنبي:

ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى

رضوى على أيدي الأنام تسير. إلخ

صاح سيبويه: لبيك لبيك أنا عبد هذه الأبيات.

مما يدل على ذوق حسن ونقد صحيح وتقدير للأدب.

ولقد كان عالي النفس، دقيق الحس، يرى الناس كلهم دونه، فلا يذل لعظيم، ولا يهين لكبير. طلبه أبو جور بن الإخشيد أمير مصر لينادمه، فقال: على شرط أن أنزل حيث تنزل، وأركب حيث تركب، وأجلس متكئا. فأجابه إلى شرطه.

وكان سيبويه يحدث عظيما فجاء خادم يسر حديثا إلى هذا الجليس فسمع له وقطع الاستماع لسيبويه. فقام سيبويه مغضبا، فسأله: إلى أين؟ قال: لا تجالسن من لا يرى مجالستك رفعة، ولا تحدثن من لا يرى حديثك متعة، ولا تسألن من لا تأمن منعه، ولا تأمرن من لا تأمن طوعه.

ولما ماتت أم سيبويه حضر في جنازتها كل كبير في مصر إلا ابن المادراني الوزير، وعاد والناس حوله، فأخذ سيبويه يطلق لسانه في هجاء ابن المادراني، وما نجاه من لسانه إلا أن لقيه في الطريق يأتي مسرعا ليدرك الجنازة.

وعلى الجملة كان سيبويه طرفة مصر في عصره علما وأدبا وفكاهة وجنونا - كان يقوم فيهم مقام العالم والواعظ والأديب، ومقام الجريدة السيارة الناقدة اللاذعة، وكان منظره بديعا، يدور في الأسواق على حماره أو حمار غيره، وما أكثر من كان يتقي لسانه بتقديم حماره!

فبحق قال «جوهر الصقلي» لما دخل مصر وذكرت له أخباره: «لو أدركته لأهديته إلى مولانا المعز في جملة الهدية».

وبحق لما سمع به «فاتك» ممدوح المتنبي قال: «ذكروني به لعلي أستدعيه فإنه نزهة».

| القلب

رمتني آنسة «بأن لا قلب لي، وإن كان فليس يخفق»؛ لأني كتبت موضوعا في مجلة الرسالة عنوانه «أدب القوة وأدب الضعف» سميت فيه الأدب الذي يضعف النفس ويمرض العاطفة أدبا ضعيفا مائعا.

لك الله يا آنسة! أفتدرين أن أشنع سبة يسب بها الإنسان: أنه لا قلب له؟ وهل المرء إلا قلبه؟

ليس الإنسان جسما بعضه القلب، لكنه قلب غلافه الجسم.

لقد قالوا: «إن المرء بأصغريه قلبه ولسانه»، ولكنهم - بقولهم - قد رفعوا شأن اللسان إذ قرنوه بالقلب، ووضعوا من قيمة القلب إذ قرنوه باللسان. وهل اللسان إلا حاك بكئ لأحط حركات القلب وانفعالاته؟ وكيف يعبر المحدث عن القديم؟ أم كيف يحيط المحدود باللامحدود؟ وأين يقع معجم اللغة من معجم العالم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣