تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هب أنا فتحنا مكتبة وأسسنا نظامها على الثقة بالموظفين والمترددين من المطالعين، فاستغنينا عن مراقب واستغنينا عم مراجع واستغنينا عن مفتش وهكذا، واكتفينا بمعير للكتب و«فتى» يضع الكتب كل يوم في أماكنها، فماذا يكون الشأن وماذا يكون حسابنا في المكسب والخسارة؟ لا شك أننا سنفقد كتبا يسرقها بعض المترددين، وهذا هو كل الخسارة؛ ولكنا بجانب ذلك نوفر مرتبات كاتب ومراقب ومفتش، ونوفر أزمانا طويلة تصرف في عمليات الجرد والحصر، وننشر الثقة بين المطالعين، ونشعرهم بأن المكتبة في حمايتهم هم وتحت إشرافهم، فننمي فيهم الشعور بالتبعة؛ فإذا كان هذا مكسبنا وهذه كل خسارتنا، فإلى النار هذه الكتب المفقودة، وخسئت عين كل من ينظر في عمليات الحساب إليها وحدها، ولا ينظرإلى كل هذه الأرباح التي ربحناها.

وهذا المثل الصغير يمكن تطبيقه تمام التطبيق على الأعمال الكبيرة في المصالح المختلفة. بل إني أشتري نشر الثقة بين الناس وتسهيل الأعمال، وشعور الناس بالطمأنينة بأي ثمن، بل لو أن التجارب دلت على أن ما نفقد من الأموال أكثر مما نربح إذا أسسنا النظم على أساس الثقة لاستمررت في تجربتي ونظريتي، وآمنت بوجوب الانتظار على هذا الأساس الجديد، حتى يذهب هذا الجيل الذي أفسده النظام القديم، وقضى على نفسه وعلى شعوره، ولأنتظر جيلا جديدا نشأ في أحضان «الثقة» والشعور بالواجب وبالتبعة وبالحرية في العمل في دائرة ضيقة من القوانين المعقولة.

وهكذا الشأن في جميع الأمور السياسية والاجتماعية؛ فثقة أفراد الحزب بعضهم ببعض - ولو مراعاة للمصلحة - أضمن للنجاح، وأقرب لتحقيق الغرض؛ وثقة الجمعية برئيسها، والرئيس بأعضائها - ولو تصنعا - أقرب لأن ينقلب التصنع خلقا.

وقد رأينا - دائما - أن العدوى في المعاني كالعدوى في المحسنات؛ فكما أن التثاؤب يبعث التثاؤب، والضحك يبعث الضحك، فكذلك الثقة تبعث الثقة، وعدمها يبعث عدمها. وبعد، فلا تزال ترن في أذني كلمة سمعتها من أستاذ إنجليزي كان في الجامعة: «إذا كنتم لا تريدون أن تولوا أموركم الأجنبي، ولا تمنحون ثقتكم المصري، فكيف تعيشون؟»

| كيمياء الأفكار والعواطف

كان القدماء يفهمون من «الكيمياء» الإكسير المنشود الذي إذا عثر عليه وأضيف إلى الزئبق أو الفضة بكمية محدودة، تحت حرارة معينة، انقلب الزئبق أو الفضة ذهبا إبريزا.

وليس يعنينا هنا أن نبين ما أنفق الناس من جهد في الوصول إليه ثم لم يصلوا، ولا ما أنفقوا من مال وزمان في سبيل العثور عليه ثم لم يعثروا، ولا ما ملئت به كتب الفلسفة الإسلامية من جدل في إمكان ذلك أو استحالته.

إنما يعنينا هنا أن نقول: إن العلماء والأدباء نقلوا استعمال هذه الكلمة إلى المعاني بعد أن كانت مقصورة على المادة؛ فسمى «الغزالي» كتابا من كتبه «كيمياء السعادة» يعني بذلك الإكسير الروحي الذي إذا عثر عليه إنسان حظي بالسعادة.

وقد استعملها ابن الرومي استعمالا ظريفا في معنى قريب من هذا، فقال يهجو أبا الصقر:

عجب الناس من أبي الص

قر إذ ولي - بعد الإجارة - الديوانا

إن للجد كيمياء إذا ما

مس كلبا أحاله إنسانا

يفعل الله ما يشاء كما شا

ء متى شاء كائنا ما كانا •••

ثم سار الزمن الذي يغير كل شيء، فغير - فيما غيره - مدلول كلمة «الكيمياء» وجعله قسيما للطبيعة؛ فكما أن الطبيعة اختصت بدراسة الظواهر التي تغير صفات الأشياء ولا تغير جوهرها، اختصت الكيمياء بدراسة الظواهر التي تغير جوهر الأشياء، فاتسع مدلولها، وصار آخر ما تفكر فيه تحويل المعادن إلى ذهب إن كانت تفكر فيه.

والحق أن هناك كيمياء في الأفكار والعواطف تشبه تلك التي في المادة، إلأ أنها أعقد منها، وأصعب حلا، وأغمض اكتشافا. وإلى الآن لم توضع كتب - على ما أعلم - في كيمياء المعاني على كثرة ما وضع في كيمياء المادة، وإن كانت كتب علم النفس أحيانا تمس هذا الموضوع مسا رفيقا. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤