تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| ندرة البطولة

قالوا: - إنا نلتفت يمنة ويسرة فلا نجد في عصرنا بطولة من جنس بطولة العصور الماضية، ولا نجد نبوغا رائعا قويا كنبوغ من نبغ في الأجيال السابقة. فتش - إذا شئت - في كل لون من ألوان البطولة، وفي كل ناحية من نواحي النبوغ تجد هذه الحقيقة واضحة.

فهل تجد في الشعر العربي أمثال بشار، وأبي نواس، وابن الرومي، وابن المعتز، وأبي علاء؟

وهل تجد في النثر أمثال ابن المقفع، والجاحظ، وسهل بن هارون، وعمرو بن مسعدة؟

وهل تجد في قيادة الحروب أمثال خالد بن الوليد، وأبي عبيدة؟

وهل تجد في سياسة الأمم أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز؟

وهل تجد في الغناء أمثال إسحاق الموصلي، وإبراهيم بن المهدي؟

وهل تجد مؤلفا في الأغاني كأبي الفرج الأصفهاني؟

وما لنا نذهب بعيدا ويوم فقدنا السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده لم نجد عوضا عنهما في العلم بالدين والأخلاق والسياسة؟

ويوم فقدنا البارودي، وحافظا، وشوقى، لم نجد لهم خلفا في شعرائنا؟

ويوم فقدنا عبده الحامولي، ومحمد عثمان صرنا نتبلغ من الغناء بالقليل .

ويوم فقدنا الشيخ علي يوسف لم نر من يسد مسده في الصحافة.

ومن الغريب أنهم يشكون في أوروبا شكايتنا، ويلاحظون عندهم ملاحظتنا، فيقولون: أن ليس عندهم في حاضرهم أمثال فجنر وبيتهوفن، ولا أمثال شكسبير وجوته، ولا أمثال رفائيل، ولا أمثال دارون وسبنسر، ولا أمثال نابليون وبسمارك.

فهل هذه ظاهرة صحيحة؟ وإن كانت فما سببها؟

قد كانت كل الظواهر تدل على أن الجيل الحاضر أحسن استعدادا، وأشد ملاءمة لكثرة النبوغ وازدياد البطولة، فقد كثر العلم وسهل التعلم، ومهدت كل الوسائل للتربية والتثقيف، وكثر عدد المتعلمين في كل أمة، وفتح المجال أمام النساء كما فتح أمام الرجال، فأصبحت وسائل النبوغ ممهدة للجنسين على السواء، وتقطر العلم إلى العامة، فأصبحوا يشاطرون العلماء بعض معلوماتهم، وانتشرت الصحف والمجلات تغذي جمهور الناس بالعلم والأدب، واتصل العالم بعضه ببعض اتصالا وثيقا في المواصلات والعلم والسياسة والأقتصاد وما إلى ذلك.

كل هذا كان يجب أن يكون إرهاصا لكثرة النبوغ والتفنن في البطولة، لا لقلة النبوغ وندرة البطولة. فلم أصيبت الأمم كلها بهذا العقم، وكان مقتضى الظاهر أن كثرة المواليد تزيد في كثرة النابغين، وكان مقتضى الظاهر أيضا أن عصر النور يلد من الأشخاص الممتازين أكثر مما يلد عصر الظلام؟ •••

يظهر لي - مع الأسف - أن الظاهرة صحيحة، وأن الجيل الحاضر في الأمم المختلفة لا يلد كثيرا من النوابغ، ولا كثيرا من الأبطال، وأن طابع هذه العصور هو «طابع المألوف والمعتاد»، لا «طابع النابغة والبطل».

بقي علينا معرفة السبب في ذلك:

من الأسباب القوية - على ما يظهر - أن الناس سما مثلهم الأعلى في النابغة والبطل، فلا يسمون بطلا أو نابغة إلا من حاز صفات كثيرة ممتازة قل أن تتحقق، وهذا طبيعي، فكلما رقي الناس ارتقى مثلهم الأعلى.

قد كنا إلى عهد قريب نعد من يقرأ ويكتب، وبعبارة أخرى «من يفك الخط» رجلا ممتازا؛ لأنه نادر وقليل، فكان ينظر إليه نظرة تجلة واحترام؛ فلما كثر التعليم بعض الشيء كان من أخذ الشهادة الابتدائية شابا ممتازا؛ فلما كثرت انتقل الامتياز إلى البكالوريا، ثم إلى الشهادة العليا، ثم إلى شهادات جامعات أوروبا، ثم أصبحت هذه أيضا ليست محل امتياز، وارتفعت درجة النبوغ إلى شيء وراء هذا كله.

والناس - على الجملة - استنارت أذهانهم إلى حد بعيد، واكتشفوا سر العظمة، فأصبحت العظمة المعتادة لا تروعهم، إنما يروعهم الخارق للعادة، وأين هو تحت هذه الأنوار الكشافة؟

ثم شعر الناس بعظمتهم هم أيضا وبشخصيتهم؛ والبطولة تأتي - في الغالب - عندما يسلس الناس زمام نفوسهم للبطل، فهم بطاعتهم له واستسلامهم لأمره وإشارته يزيدون في عظمته، ويغذون بطولته - فإن كانوا هم أيضا يشعرون بعظمة أنفسهم قلت طاعتهم وقل تبجيلهم وخضوعهم لكائن من كان، وبذلك لا يفسحون للبطل بطولته فلا يكون. فلو وجد اليوم شخص في أخلاق نابليون وصفاته ومميزاته ما حققوه في عصرنا، ولا كان إلا رجلا عاديا أو ممتازا بعض الامتياز؛ فأما أن تطيعه الخلائق هذه الطاعة العمياء، وتبيع نفوسها رخيصة في سبيل مجده، وتسفك دماءها أنهارا لتحقق عظمته، فذلك ما لا يكون اليوم كما كان بالأمس.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤