اليوم الخامس
وكان اليوم الخامس يوم أتيحت لي الظروف لأول مرة أن أسافر إلى أوربا في مؤتمر المستشرقين؛ فقد اطلعت على عالم جديد في نظمه الاجتماعية وفي معاهده العلمية، واستطعت أن أوازن بين الشرق والغرب، وأن أضع يدي على مزايا كل وعيوبه ... وكأنني رزقت عينا ثانية بعد أن كان لي عين واحدة، عين تقع على الشرق وعين تقع على الغرب، وعقل يوازن بينهما في سرعة البرق، وأعترف أنه ما عرضت علي مسألة عويصة إلا نظرت فيها بهاتين العينين.
اليوم السادس
واليوم السادس يوم انتخبت عميدا في كلية الآداب، ولم أكن أتوقع ذلك مطلقا ... فأنا رجل تربيت في الأزهر وما يشبه الأزهر من مدرسة القضاء، ولم أكن أعرف النظم الجامعية إلا يوم التحقت بجامعة القاهرة، ولم أتعلم كزملائي في جامعات أوربا وأعرف نظمها، وفي مجلس كلية الآداب فطاحل من رجال الجامعات الأوربية من إنجليز وفرنسيين وألمان، هذا عدا ما كان من فطاحل الأساتذة المصريين ... فكان غريبا أن يترك كل هؤلاء وأنتخب أنا عميدا ولذلك استعظمت هذا الأمر واضطربت في أول حياتي كعميد، ولكن تذكرت قول الشيخ محمد عبده: «إن الرجل الصغير يرى أنه أصغر من الوظيفة، والرجل الكبير يرى أنه أكبر من الوظيفة» فأوحيت إلى نفسي باستمرار أنني أكبر من أن أكون عميدا، ودلتني الحوادث أن العميد أصغر من أستاذ، ولذلك قلت يوم سئلت بعد ذلك: «هل تحب أن تعود عميدا؟» فأجبت: «إني أكبر من عميد وأصغر من أستاذ».
وقد استفدت من عمادتي فوائد كثيرة ... فخبرت أحوال الطلبة وأحوال الأساتذة، ومكنتني العمادة من أن أتصل بأعضاء مجلس الجامعة ... وكلهم من كبار أساتذة الجامعة، فأصغيت إلى جدلهم ووقفت على مدى نظرهم.
هذه فيما أعتقد أشهر الأيام في حياتي، وربما كان هناك غيرها له أثر أكبر منها، ولكنه يعمل في عقلي الباطن وينعكس في عملي الظاهر، ولكن لم ألتفت إليه ولم ألق إليه بالا ... فقد تكون حادثة جزئية صغيرة أو جملة قرأتها في كتاب قراءة عابرة لم ألتفت إليها كثيرا وقعت فجأة في عقلي الباطن فأخذت تكبر وتتوالد على مدى السنين وتعمل عملها الكبير في حياتي على غير شعور مني.
| اعترافاتي
اعتاد الكتاب أن يقصروا الاعترافات على المسائل الجنسية التي اعتاد الإنسان أن يسرها ولا يجهر بها إلا لخواص أصدقائه، ولعل المسئول عن حصر الكلمة بهذا المعنى «جان جاك روسو» وأمثاله ممن قيدوا هذه الاعترافات، والقسس الذين يصغون إلى هذه الاعترافات، أما الكلمة نفسها فواسعة شاملة، تشمل هذا النوع وتشمل غيره من الفضائل التي اكتسبها الإنسان في حياته بعنف ومشقة.
وبعد هذا نذكر شيئا من الاعترافات على المعنى المشهور فنقول:
إنني رزقت عاطفة تهتز للجمال أيا كان سواء كان جمالا طبيعيا أو جمالا صناعيا، أو جمالا فنيا، وأذكر من هذا القبيل أني وأنا صغير سمعت رجلا ينشد على الدف في مدح النبي
صلى الله عليه وسلم
فتبعته من حارة إلى حارة حتى بعد العشاء، مع علمي بأن التأخر إلى هذا الوقت يستتبعه الضرب من أبي حتما.
ولي إلى الآن حاسة قوية في سماع الموسيقى وخاصة النغمات الحزينة.
وأذكر أيضا أني وأنا صبي عشقت صبية جميلة بنت جار لنا، فتعلمت من حبها ضنى الحب وعذابه ولوعته ... وكل ما فعلت أن كنت أنتهز الفرصة فأجلس إليها أمام دار أبيها، فلما اكتشف ذلك أبوها حجبها وحرمت من لقياها.
وعشقت مرة مدرسة لي إنجليزية كنت أتبادل معها الدروس العربية والإنجليزية، وأحببتها حبا يائسا ... لأنها كانت متزوجة وسعيدة بزواجها، ولكن جمالها وجمال عينيها جعلني أتمنى يوم درسها وأعده عيدا، ولولا أن الدين والعلم كبتاني لكنت إمام المحبين. •••
وعلى المعنى الواسع من معنى الاعترافات عاهدت الله من صغري أن أنصر الحق حيث كان، وقد لقيت في سبيل نصرته عناء لا يقدر في المجالس والمجتمعات، وخاصة في مجلس الجامعة؛ فقد كنت أصطدم أحيانا بأكبر الرجال عقلا، وأوسعهم شهرة، وأعظمهم قدرة، وأوذيت في سبيل ذلك كل الإيذاء حتى لقد كنت أتوقع في كثير من الأحيان أن أجد خبر إحالتي على المعاش، كلما حزب الأمر وجد الجد، ومع ذلك لم أعدل عن هذه الطريقة، وكنت مشربا فيها بروح القاضي العادل.