تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أليس كذلك الإنسان؟

حفنة قليلة من الناس يعدون نوابغ وعظماء أو ما شئت فسمهم، وحفنة قليلة من الضعفاء، ضعف عقلهم وضعفت بنيتهم ولم يصلحوا للحياة إلا بشق الأنفس، وأما السواد الأعظم من الناس فأوساط لم يبلغوا ما بلغه الأولون ولا انحطوا كما انحط الآخرون.

ونراهم كذلك في كل جمعية بشرية، في المدن الكبيرة والمدن الصغيرة والقرى، وبمقتضى نبوغ النابغين، حملوا أكبر العبء وكانت في يدهم السيطرة وبمقتضى حقارة الحقيرين كان فيهم الذل والفقر والمسكنة، أما الباقون فهم جمهرة الناس.

وترى هذا في كل مرافق الحياة، في الفنون والأدب والموسيقى والتصوير، إن كان هذا عمل الطبيعة فكم من السخف أن ننادي بالمساواة؛ لأنها ضد الطبيعة، ولو سويت بين الناس في الرزق يوما لاحتال الأقوياء على الضعفاء فسلبوهم مالهم بقدرتهم وذكائهم، وعادت الدنيا كما كانت غنى وفقر وسعادة وشقاء.

قد تكون المساواة في الحقوق معقولة: مساواة أمام القضاء وفي حق الحياة وفي حق الحرية، أما المساواة في الكسب والأجور والقدرة على الأعمال فمستحيل أن تكون، وإذا كانت فمستحيل أن تستمر.

والمهارة الكبرى في أن يكتشف أصحاب الأعمال مقدرة العمال ثم يضعوا كلا في موضعه، وأولياء الأمور أفراد الأمة فيضعوا كلا في موضعه المناسب، لذلك نادى علماء التربية بأن يقسموا التعليم أنواعا: تعليما زراعيا وتجاريا وصناعيا ونظريا ثم يفحصوا حالة كل طالب فيعرفوا ميوله واستعداده، ثم يوجهونه إلى ما يلائمه، وبذلك تنمو ثروة البلاد، فمن الناس من كفاءته في يده ومنهم من كفاءته في قلبه ومنهم من كفاءته في عقله، فلو سيرت كلا في اتجاهه لنجح، ولذلك ترى في الحياة الواقعية كثيرين خابوا في أول حياتهم؛ لأنهم اتجهوا عكس استعدادهم، ثم نجحوا لما حولوا اتجاههم حسب كفايتهم.

ولو أنصف الناس فمدحوا أي عامل على إتقانه في عمله لا على نوع عمله؛ فقد كان من الطبيعي أن يمدح الكناس على إتقانه في كنسه كما يمدح الأديب على إتقانه في أدبه، والعالم على إتقانه في عمله؛ لأن كلا من الكناس والعالم والأديب يعمل حسب ما خلق له، ولا فضل في الطبيعة بين أحد وأحد، ولكن الناس مدحوا على نوع العمل لا على طبيعة العمل. •••

ثم من حين إلى حين تجد في حقل الذرة عودا قد نما نموا شاذا لم تكن تراه منذ سنين، فكذلك الشأن في الإنسان يطلع على الأمة من حين لآخر فرد أو أفراد نبغوا نبوغا عجيبا لم يكن للأمة عهد به منذ سنين، وهؤلاء هم زعماء الأمة في سياستها أو علمها أو فنها.

ثم تبحث عن مسببات هذا النبوغ فتجد عجبا، ليست الحبة التي نبت منها العود الكبير أكبر حبة، ولا طينتها أحسن طينة، ولا أم النابغة أحسن أم، ولا أبوه أحسن أب، ولا بيئته أحسن بيئة، ولكن صدق الله العظيم إذ يقول:

الله أعلم حيث يجعل رسالته .

| ساسة العالم منافقون ...

كان ابن سعدان وزير آل بويه يسأل أبا حيان التوحيدي: هل يصلح الفلاسفة أن يكون بيدهم زمام السياسة؟ وهل ينجحون؟ ... ودعاه إلى الشك في هذا خوفه من أن فلسفة الفلاسفة تحرمهم قوة العزم والحزم والبت في الأمور، والسياسة عمادها سرعة البت، وخشي أن الفلاسفة يكثرون من تقليب الأمور على وجوهها؛ لسعة تفكيرهم ورؤية الأشياء من جميع جوانبها، ولذلك قالوا: أقوى الناس إرادة أضعفهم تفكيرا؛ لأنه لا يرى الأمور إلا من وجه واحد، أما واسع التفكير فضعيف الإرادة؛ لأنه يرى الأمور من جميع وجوهها، وربما كان ابن سعدان خير مثل للوزير؛ لأنه تفلسف في وزارته فكان مصيره القتل.

والحق أن العالم محتاج إلى قادة جدد؛ لأنه قد سار على نمط واحد حتى مل ... وسار الزعماء على طريقة واحدة حتى ملوا، فهموا السياسة أنها نفاق ورياء وتملق لأصحاب رؤوس الأموال، وتحقيق مصالح الأمة مهما اكتسحوا في طريقهم من الأمم، وقد تطور العالم وسار شوطا بعيدا نحو الإنسانية، وصار يكره نغمة النفاق والرياء ويكره النظر الضيق إلى مصالح الأمة وحدها، وهو يريد سياسة واسعة النظر لا تنظر إلى الأمة نفسها ولكن تنظر إلى الإنسانية كلها ... ولا تنافق ولا ترائي ولا تستخدم أساليب مقنعة وتسمي الأشياء بغير أسمائها، فتسمي الاحتلال استعمارا، ثم تسميه انتدابا، وتسمي كبت الأحرار محافظة على النظام العام، وتسمي تحمس المستعمرين لدينهم تعصبا بغيضا ونحو ذلك. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٩٦