وأما أخلاقها فكان أظهر شيء فيها الوداعة بمقدار كبير، حتى كانت لوداعتها محبوبة من أهل الحارة، يتخذ نساؤها بيتنا محطا لهن، يكثرون فيه من الزيارة، وإلى هذه الوداعة السذاجة، فهي تصدق أي بائع إذا حلف، وتصدق الحديث إذا حكي لها، ولو لم يقبله العقل الناقد.
وهي حسنة الحديث من قصص وحكايات، تملأ بذلك وقت زوارها وسمر أطفالها، وقد ورثت ذلك عن أمها، فكانت بذلك جعبة أخبار وقصص وأمثال، واعتدنا أن لا ننام إلا على خبر من أخبارها أو قصة من قصصها، وتعادل مزاجها مع مزاج أبي، فهي لينة رحيمة، وأبي قاس شديد، ولذلك كنا نهرع إليها عند شدة أبينا، وقد تحلت بمقدار من الصبر كبير، فتحملت أبي على شدته وكثرة خصامه، مما لا تستطيعه المرأة العصرية اليوم.
وكانت أمي تعيش في بيت أبوي السلطة، فكان الأب فيه كل شيء، هو الذي يمسك ميزانية البيت، وهو الذي يشرف على أخلاقه، وهو الذي يستشار فيما نأكل وفيما لا نأكل، وهو الذي يشتري لنا ما نأكل وما نلبس، وهو الذي يسمح لأمي بالخروج وعدم الخروج، وهو الذي يحب نوعا من الحديث دون نوع، وعلى الجملة كان هو كل شيء في البيت، لا رأي بجانب رأيه، ولا أمر بجانب أمره، وهو الذي يقتصد أو ينفق، يجمع في يديه قوة الكسب وقوة الإنفاق، وقد حملها على الرضا أن أغلب البيوت في عصرها كان على هذا النمط، فهي تنظر حولها فلا تجد إلا مثيلاتها، خلا بيتا واحدا كان به رجلا عجوزا ماتت زوجته العجوز فتزوج فتاة صبية كانت هي سيدة البيت، وهي التي تأمر وتنهى، وهو لكبر سنه يسمع ويطيع، والسلطة الأبوية في تاريخ الأسرة معروفة مشهورة، مرت عليها كل البيوت تقريبا، وهذا يطبع الأبناء عادة بطابع الدكتاتورية، فهم يرثون من آبائهم السلطة المطلقة إذا كونوا لأنفسهم أسرا جديدة.
ولذلك كانت هناك حرب عوان بين النساء لاسترداد سلطتهن، وبين الرجال لرغبتهم في السلطان، كانت هذه الحرب أشبه ما تكون بثورة، انتصرت فيها المرأة انتصارا عظيما على الرجل، وانقلبت الحال في كثير من الأسر من رجل يحكم البيت إلى امرأة تحكمه.
وكان من مزايا أمي عدم جشعها في المال، فليست تحرص على أن تكون لها ثروة كبيرة، ولذلك لما أنست إلي ووثقت أني أقوم بكل نفقاتها لم تطمع في إرثها من أبي، وتنازلت عنه لأولادها عن رضا واختيار، وعمرت حتى بلغت الثمانين.
| كتاب
عثرت في هذه الأيام على كتاب قيم ألفه أبو بكر بن العربي، وهو غير محيي الدين بن العربي، وقد قرأته فأعجبت به واستفدت منه فوائد كثيرة، وهذا الكتاب اسمه (العواصم من القواصم)، ولعله أخذ هذا الاسم من أبي حيان التوحيدي؛ إذ سمى أحد كتبه (الهوامل والشوامل).
واستدللت من هذا الكتاب على أنه في النصف الثاني من القرن الخامس كان بعض العلماء الناضجين يحارون في أمرهم أين الحق وما منهج الوصول إليه، أهو النصوف أم الفلسفة أم التشيع أم الاعتزال؟ ... إلخ، ودعاهم إلى ذلك ما كان في عصرهم من كثرة الجدل حول هذه المسائل كلها مما أدى أحيانا إلى القتال؛ وقد حار هذه الحيرة في زمنه الغزالي أيضا وابن فورك وغيرهما، وقد دعته هذه الفكرة إلى أن يرحل من بلدة إشبيلية بالأندلس إلى سائر الأقطار العربية؛ ليلتقي بجبابرة العلماء ويباحثهم ويعرف أين الحق.
وفي أثناء رحلته التقى بالغزالي في دمشق، وكان قد تصوف منذ خمس سنوات، فسأله وناقشه وسمع عليه بعض كتبه؛ جريا على الطريقة المتبعه في زمنه.
وكان مما قاله الغزالي في شرح طريقته: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس وتجرد للمعقول انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها؛ وذلك أن القلب جوهر صقيل مستمد لتجلي المعلومات فيه عند زوال الحجب عنه، كالمرآة تتراءى فيها المحسوسات عند زوال الحجب من صدأ وغيره.