وكان القرآن حكيما في مخاطبته للشعور في مثل قوله:
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ، ودعوته إلى النظر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسنة والألوان، أكثر من اعتماده على مقدمات منطقية، وأقيسة جدلية؛ لأن آيات القرآن هذه تخاطب الشعور والقلب، والأقيسة المنطقية تخاطب العقل، وكل إنسان صالح لأن يوجه الحديث إلى قلبه، وليس كل إنسان صالحا لأن يوجه الحديث إلى عقله.
نعم، إن العلم قد يخدم الدين، ولكن لا يبعثه ... فتقدم الناس في العلم اليوم خفف آلام البشرية من اعتقاد في السحر والرقى ووجود أرواح شريرة تتسلط على البشر وتعذبهم حسبما تشاء، فكل هذه اعتقادات أزالها أو مزقها نور العلم، فخدم الدين بذلك خدمة جليلة، فإذا اجتمع في الناس قلب ينبض بحب الله، وعقل يزيل الخرافات والأوهام عنه، كان ذلك منتهى السعادة ومنتهى الرقي. •••
لولا الدين ما كانت سعادة، ولا كانت للحياة قيمة ... بل نحن نرى أن آباءنا كانوا أسعد منا بإيمانهم، وشباننا أشقى منهم بشكهم، أو على الأقل بعدم اكتراثهم، وإن شئت فقارن بين أسرتين: أسرة أسست حياتها على الدين والتزمت به، وأسرة أضاعت الدين ولم تلتفت إليه، وأجبني: أي الأسرتين أسعد؟ إني أعتقد أن أكبر سبب لشقاء الأسر وجود أبناء وبنات فيها لا يرعون الله في تصرفهم، وإنما يرعون هواهم وملذاتهم، فهم يركبون رءوسهم، ويروون رغباتهم، من غير وازع ديني يزعهم، أو نظرة في العواقب تردعهم، فإذا فشا الدين في أسرة، فشت فيها السعادة ... وخاصة إذا كان دينا راقيا تجرد عن الخرافات والأوهام وتدعم بالعلم، وحكم أفرادها دينهم في سلوكهم.
إن أهم ركن في السعادة راحة البال ... والدين أكبر دعامة لراحة البال؛ إذ يظهر أنه من طبيعة النفس الإنسانية أن تشعر بوجود إله تعتمد عليه، فإذا لم يكن ذلك، قلقت واضطربت؛ لأنها خالفت طبيعتها، ولذلك نجد أكثر الملحدين يعيشون عيشة مضطربة، وإذا جد الجد وحضرهم الموت، كانوا كفرعون، لما أدركه الغرق، قال: «آمنت أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين.».
وهذه هي السعادة في الحقيقة ... فليست السعادة في كثرة المال، ولا في عظم الجاه، إنما هي في أنفسنا وفي داخل قلوبنا، وشيء آخر، وهو أن من مزية الدين الإيمان باليوم الآخر، فهو بذلك يضم حياة أبدية إلى حياته القصيرة الدنيوية، وذلك من غير شك يدعوه إلى أن يفكر فيما يعمل؛ لاعتقاده في الجزاء العادل، إن لم ينله في الدنيا ناله في الآخرة، ويكفه عن عمل الشر؛ لأن وراءه إلها يجازيه على عمله مهما أسر، ومن طبيعة الإنسان حب الحياة، ولذلك يرتعد فرقا إذا قيل له: إن حياته في الدنيا هي الحياة؛ لأن معنى ذلك أنها حياة قصيرة، تنتهي بعدم مفزع، وسعادته الحقة في أن يعتقد أن وراء هذه الحياة حياة أبدية، يتسلط عليها إله عادل ... من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
هذه هي الطبيعة الإنسانية التي خلقنا عليها، وأي تنح عنها يفسدها، وقد علمتنا الحياة أن الخروج على الطبيعة الإنسانية - ولو قيد شعرة - مدعاة للحيرة والاضطراب.
وبعد، فإن الدين يجعلني أنا والإله على متاعب الحياة، والإلحاد يجعلني أنا وحدي ضد الله، وضد متاعب الحياة، وشتان ما بين الوضعين.
| الحرية الدينية والاجتماعية بين جمال الدين الأفغاني وقاسم أمين
أما حرية جمال الدين، فكانت حرية عقل، وحرية سياسية ولغوية.
كان يرى أن أولى الأمور بالتحرير، تحرير العقل من الخرافات والأوهام، بل كان يرى أننا ما لم نحرر العقل، فالمجالس النيابية عمل ضائع، ومجهود فاشل.
فقيمة المجالس النيابية برجالها، ويقول: «هبوا أن مجلسا نيابيا أنشئ من قوم جامدين فستجدون أن حزب الشمال لا أثر له، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمين «المناصر للحكومة»، وسيكونون كلهم آلة صماء، وسيرى كل عضو أن مناقشة الحاكم الحساب قلة أدب وسوء تدبير وتهور لا محل له، لذلك يجب تحرير العقول والنفوس قبل إنشاء المجالس، ولذلك كانت أكثر دروسه وأحاديثه في المجالس دعوة إلى تحرير العقول.