تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحجاج كذلك في أيام منى يضحون في صبيحة العيد وينحرون، ولقد أبطل الإسلام القرابين والنذور، ونهى عما اعتاده العرب من ترك الماشية في البادية لله كالسائبة والبحيرة والحامي، ولكنه أقر التضحية في العيد؛ ذكرى لإبراهيم، وعونا للفقراء والمساكين، وتقريبا بين القادرين وغير القادرين، ولذا أوجب ذكر اسم الله عليها؛ حتى لا تكون قربانا لصنم ولا عبادة لوثن، وإنما هي لله وفي سبيل الله، للمحتاجين والمعوزين.

فإذا تمت هذه الأعمال، نزل الحجاج إلى مكة فطافوا بالكعبة طواف الإفاضة، وسعوا وتحللوا، وبذلك يتم الحج.

بعد هذا يقصد أكثر الحجاج إلى زيارة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في المدينة.

وهم الآن يقصدون المدينة عن طريق جدة، فيمرون على آثار مشهورة في تاريخ الإسلام كمسجد الشجرة التي قال الله فيها:

لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا

وقد خشي عمر تقديس المسلمين للشجرة فقطعها حتى لا يتجه المسلمون في شيء إلا إلى الله وحده، ثم يصل السائر إلى جدة، ومنها يتجه إلى المدينة فيقرب من شاطئ البحر حينا، ثم يمعن في الصحراء، ويضرب في الرمال فيسهل السير حينا ويصعب حينا.

في بعض هذا الطريق مر النبي

صلى الله عليه وسلم

وهو صغير مع أمه حين خرجت به لزيارة قبر أبيه بالمدينة، ومر به مع عمه وهو فتى حين خرج إلى الشام، ومر به وهو شاب في تجارة لخديجة، ومر به مهاجرا من مكة، ومر به عام فتح مكة، ومر به عائدا بعد الفتح.

وأخيرا تظهر القبة الخضراء، قبة الحرم النبوي فيخفق القلب فرحا، ويود أن يطير شوقا.

هذه هي المدينة بأسوارها وأبوابها، وهذه هي القبة الخضراء تدلنا على مكان الحرم منها، هذه هي المدينة التي كان يقيم فيها الأوس والخزرج، وهم أول من قبلوا الدعوة الإسلامية من القبائل العربية، وبايعوا رسول الله على أن يؤمنوا بدعوته ويحموه ويحموا دعوته مما يحمون منه أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وسموا من أجل ذلك بالأنصار، وهذه هي المدينة التي استقبلت النبي حين هاجر إليها استقبالا رائعا، واستقبلت من أتى معه، ومن أتى بعده من المهاجرين، وأشركوهم في ديارهم وأموالهم وعقدوا الأخوة بينهم وبينهم، وهذه هي المدينة التي تسلحت حربيا لما لم تفد دعوة السلم، فكسرت قريشا في غزوة بدر، ثم تتابع انتصارها حتى دخل العرب في دين الله أفواجا، وحتى فتحت مكة نفسها، وهذه هي المدينة التي لبث فيها النبي

صلى الله عليه وسلم

عشر سنين يدعو ويتلقى فيها الوحي وتنزل فيها كل السور المدنية؛ تشرع النظم، وتبين الأحكام، وتنظم الغزو، وتؤلف الأمة، وتقيم الحدود، وتسمو بالروح.

وهذه هي المدينة التي كان لها شرف وجود رسول الله بها حيا وميتا، ثم كانت عاصمة الخلفاء الراشدين قبل دمشق وبغداد، وفيها رتبت الترتيبات لإخضاع أهل الردة، وفيها رتب عمر وعثمان نظمهما لفتح أكبر دولتين في عصرهما؛ وهما: فارس، والروم؛ حتى أخضعوها، واستولوا على بلادهما.

هذه هي المدينة التي لا تنتهي ذكرياتها وأحداثها التاريخية المجيدة.

في وسط المدينة تقريبا يقع الحرم المدني بمنظره الجميل، وهيئته المستطيلة، وقبابه الكثيرة المستندة على أقواس قامت على عمد مكسوة بالمرمر، وفيه الروضة الشريفة بين قبر الرسول

صلى الله عليه وسلم

والمنبر، وفي ركنه الجنوبي الشرقي المقصورة الشريفة؛ حيث توفي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وحيث دفن أبو بكر وعمر (رضى الله عنهما) وبالقرب منه ضريح السيدة فاطمة (رضي الله عنها).

هنا يرقد صاحب الدعوة الإسلامية التي غيرت مجرى العالم، وأنزلت التاريخ على حكمها، ولا تزال إلى اليوم تنمو وتعمل في الحياة الإنسانية عملا مجيدا، هنا يرقد من علم الناس الحرية والمساواة والعدل وكسر الأصنام على اختلاف أشكالها وألوانها، ودعا الناس لعبادة إله واحد هو رب العالمين، هنا يرقد من لم يعبأ في حياته بمال ولا ولد، وإنما عبأ بدعوته؛ لم يعقه فيها عائق من تهديد ووعيد، ولم يلهه عنها وعد بمال أو سلطان.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٣٤