قال القرطبي: رد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه.
وبقية ما يتعلق بهذا الحديث تأتي فيما يؤخذ من الأحاديث قريبًا إن شاء الله.
٥ - ما أوصى به الرسول ﷺ، وما أراد أن يوصي به ثم عدل عنه: أما وصية النبي ﷺ فقد تحدثت عنها الروايات الثالثة عشرة، وما بعدها، وقد أطال النووي في تحليل موقف الرسول ﷺ وموقف الصحابة رضي الله عنهم من طلبه ﷺ الكتف والدواة، ليملي عليهم وصيته الأخيرة، نقتطف منها ما يلي:
قال - رحمة الله عليه - اعلم أن النبي ﷺ معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية، في حال صحته، وفي حال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه، ومن ترك تبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، إذا علمت هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في الكتاب الذي هم به النبي ﷺ.
فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين، لئلا يقع نزاع وفتن، قاله البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أنه ﷺ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك، ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة.
وقيل: أراد كتابًا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة، ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبي ﷺ، هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.
وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله، ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب ﷺ أمورًا، ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها، لأنها تكون حينئذ منصوصة، لا مجال للاجتهاد فيها، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.
قال البيهقي: لو كان مراد النبي ﷺ أن يكتب ما لا يستغنون عنه، لم يتركه، لاختلافهم، ولا لغيره كما لم يترك تبليغ غير ذلك، لمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وكما أمر في ذلك الحال، بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وغير ذلك مما ذكره في الحديث.
ثم قال: وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر دليل على استصوابه.
قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر، على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله ﷺ، من الوجع وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض، مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور، قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية، وفي كتاب الصلح مع قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة، فلا يراجعه فيه أحد منهم. والله أعلم.