وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ومن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم، كل ذلك ليردوا على من خالفهم في المذهب، وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة، لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها...
... وذهبت طائفة منهم إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن... ولما ردوها بتحكم العقول، كان الكلام معهم راجعاً إلى أصل التحسين والتقبيح، وهو مذكور في الأصول...
... وربما احتجت طائفة من نابتة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما
تفيد الظن، وقد ذم الظن في القرآن، كقوله تعالى: (( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ)) [النجم:23]،... وما جاء في معناه، حتى أحلوا أشياء مما حرمها الله تعالى على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وليس تحريمها في القرآن نصاً، وإنما قصدوا من ذلك أن يثبت لهم من أنظار عقولهم ما استحسنوا....)
.. فعلى كل تقدير.، كل خبر واحد صح سنده فلا بد من استناده
إلى أصل في الشريعة قطعي فيجب قبوله. ومن هنا قبلناه مطلقاً، كما أن ظنون الكفار غير مستندة إلى شيء، فلا بد من ردها وعدم اعتبارها، وهذا الجواب الأخير مستمد من أصل وقع بسطه في كتاب الموافقات والحمد لله "(1) .
وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ينزل بقلمه البليغ وعباراته الجزلة نزول الصاعقة على المغرورين بعقولهم وآرائهم فيقول :".... سبحان الله! ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي، واقتباس العلم من
مشكاته من كنوز الذخائر؟! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر؟ قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرا، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبراً . وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجوراً.
(1) الاعتصام (باختصار) ص 294- 300، ت: سليم الهلالي.