تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة، وكان من يسلم بعد الهجرة من أهل مكة يهاجر كذلك، خصوصا إذا كان من رجالات قريش وعقلائها؛ ثم كانت المدينة مقصد من يريد الإسلام في عهد النبي من سكان جزيرة العرب، وكثير منهم كانت تدعوه الحماسة الدينية أن يقيم بجوار النبي يتعلم منه ويتعبد معه، ويسمع من قوله، ويشاركه في غزواته؛ وبعد وفاة الرسول كانت مقر الخلافة، ومركز كبار الصحابة، حتى يحرم عمر على كبار قريش أن يبرحوها إلا لحاجة ماسة، وكانت في عهد الفتوح الكبيرة موردا للأسرى، وقد رأيت أن عمر كان يحرم أن توزع الأسرى في مواطن الحروب، فكان يأتي بهم أولا إلى المدينة، وكثير من هؤلاء الأسرى من الفرس والروم وكانوا من الطبقة الأرستقراطية في قومهم، وكانوا متعلمين على النمط الذي ساد في أمتهم وعصرهم، فأقام منهم بالمدينة كثيرون، عد منهم ابن سعد في طبقاته عددا كبيرا، وكانوا موالي لكبار الصحابة وأسلموا على أيديهم فصبغوا الحياة الإسلامية بعقليتهم التي تخالف - من بعض الوجوه - عقلية العرب، وكانوا قد ألفوا في قومهم علما منظما كتبا مدونة، فأخذوا يتبعون هذا في تعاليم الإسلام، كل هذا جعل المدينة تفوق مكة من هذه الناحية العلمية؛ أضف إلى ذلك أن المهاجرين كانوا يكرهون في أول عهد الإسلام - دينا - أن يتحولوا من المدينة إلى مكة، روى ابن سعد: «قال محمد بن عمر: لا نعلم أحدا من المهاجرين من أهل بدر رجع إلى مكة - يعني بعد وفاة النبي

صلى الله عليه وسلم - فنزلها غير أبي سبرة، فإنه رجع إلى مكة بعد وفاة النبي

صلى الله عليه وسلم

فنزلها، فكره ذلك له المسلمون، وولده ينكرون ذلك، ويدفعون أن يكون رجع إلى مكة فنزلها بعد أن هاجر منها، ويغضبون من ذكر ذلك»

2 .

لهذا كانت مدرسة المدينة أغزر علما وأبعد شهرة، تخرج فيها أكثر علماء ذلك العصر في التفسير والحديث والفقه والتاريخ، يقصدها طلبة العلم من أقاصي البلدان لتلقي العلم عن علمائها؛ فابن الأثير يحدثنا أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه «عمر» إلى المدينة للتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان أن يتعاهده، فأبطأ عمر يوما عن الصلاة، فقال: ما حبسك؟ فقال: كانت مرجلتي تصلح شعري، فكتب إلى أبيه بذلك، فأرسل أبوه رسولا، فلم يزل به حتى حلق شعره، ونرى محمد بن إسحاق والواقدي نشأ بالمدينة وتخرجا في مدرستها، فكان عليهما اعتماد كل من كتب بعدهما في المغازي والسير؛ وهذا طبيعي، فمن أحفظ لحديث رسول الله وأخبر بغزواته، وأعرف بحياته وحياة خلفائه من أهل المدينة، وبين سمعهم وبصرهم كانت هذه الأحداث؟ والآن نذكر طرفا من أخبار مدرسة مكة ومدرسة المدينة وأشهر علمائهما:

مدرسة مكة:

لما فتح رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مكة خلف فيها معاذا يفقه أهلها ويعلمهم الحلال والحرام ويقرئهم القرآن، وكان معاذ من أفضل شباب الأنصار علما وحلما وسخاء، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله، وكان يعد من أعلم الصحابة بالحلال والحرام ومن أقرئهم للقرآن، وممن جمع القرآن على عهد الرسول، وقد روى عنه ابن عباس وابن عمر، ومات شابا في طاعون عمواس.

كذلك علم بمكة عبد الله بن عباس في أخريات أيامه، فقد علم في البصرة وعلم في المدينة، ثم لما كان الخلاف بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير ذهب إلى مكة وعلم بها، فكان يجلس في البيت الحرام، ويعلم التفسير والحديث والفقه والأدب، وإلى عبد الله بن عباس وأصحابه يرجع الفضل فيما كان لمدرسة مكة من شهرة علمية، وأشهر من تخرج في هذه المدرسة من التابعين مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح، وطاووس بن كيسان

3 ، وثلاثتهم من الموالي، فمجاهد مولى بني مخزوم، وقد اشتهر برواية أقوال ابن عباس في تفسير القرآن، وروي أنه قال: «عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه عند كل آية، أسأله فيما نزلت، وكيف كانت؟»

فجر الإسلام · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٨٢