صلى الله عليه وسلم
سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص»، وكانت هذه القوافل تخرج مع عظيم استعداد وكبير حيطة، تتقدمها الكشافة تتعرف ما في الطريق، والهداة يهدون السبيل، والحراس يخفرون القافلة.
وقد كان عرب الحيرة يتعهدون بحماية قوافل التجارة الفارسية عند مرورها في العرب في نظير جعل كبير يأخذونه من الفرس، ويروون أن الفرس مرة استكثروا هذا الجعل فأبوا دفعه، فهاجم العرب قافلة فارسية وهزموا حماتها، وكان هذا اليوم أحد أيام العرب المشهورة، ويسمى يوم ذي قار، وبه تغنى الشعراء، وعدوه نصرا للعرب على الفرس.
كانت القوافل التي تذهب من بلاد العرب إلى الشام تنزل في أسواق مدينة عينتها لهم الحكومة الرومانية لتحصل منهم الضرائب المفروضة على «الصادرات»، ولتراقب الأجانب الذين يقدمون بلادها، وكانت هذه القوافل أول ما تنزل في البلاد الرومانية تنزل في أيلة، وهي المعروفة اليوم بالعقبة، ومنها تذهب إلى غزة، وهناك تتصل بتجار البحر الأبيض، ومن غزة يذهب بعض التجار إلى بصرى.
وقد رووا أن النبي
صلى الله عليه وسلم
سافر في هذه القوافل مرتين: مرة وسنه اثنتا عشرة سنة إلى بصرى، وأخرى وسنه خمس وعشرون. •••
أترى أن هذه التجارة تقتصر على تبادل العروض والنقود، ولا تتعداها إلى الأمور المعنوية والأدبية؟ لسنا نرى ذلك، بل نرى أن العرب استفادوا فوق تجارتهم المادية شيئا من مدنية الروم والفرس وأدبهم، وهذا طبيعي، فالرحلات إلى الأمم الممدنة تجعل دائما تحت أعين الراحلين مدينة جديدة يقتبسون منها على قدر استعدادهم؛ ولا يزال عرب اليمن والحجاز أنفسهم في أيامنا هذه يستفيدون من زيارة مصر والشام، ويأخذون من مدنيتهما وعلومهما؛ بل لا نستطيع أن نصدق أن قافلة كبيرة كهذه تنتقل بتجارتها العظيمة لتتعامل مع أمة أجنبية من غير أن يكون فيها أفراد يعرفون لغة الذين يتعاملون معهم، ويكونون واسطة للتعارف بينهم، قد تقول: إنهم كانوا يعرفون اللغة الأجنبية كما يعرفها «التراجمة» اليوم، وهؤلاء ليسوا أهلا لنقل مدنية ولا أدب، فنقول: قد يكون ذلك صحيحا إلى حد ما، ولكن يجب ألا ننسى أن من بين الذين كانوا ينتقلون بالتجارة أعظم قريش ثروة وعقلا؛ وقد رأينا فيما نقلناه أنه كان من بين رجال القافلة أبو سفيان ومخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص وهم سادة قومهم؛ ومنهم من كان له يد في إدارة شئون الأمة في الإسلام بعد، فهم لا يقارنون بتراجمة اليوم، وهم أكثر استعدادا لنقل مدنية بما يرون من نظام في المعيشة ومبان ضخمة ومعابد، وبما يرون من حكومة تشرف على الأسواق وتجبي الضرائب ونحو ذلك، وبما يسمعون من قصص وأدب إذا فرغوا من تجارتهم وتنادموا، ونقل من يعرف منهم اللغة حديثهم إلى من لا يعرفها، نعم إن هذا لا يكون نقلا صادقا ولا ترجمة دقيقة، ولا شبه دقيقة لتاريخ أو أدب، ولا يستطيع أحد أن يدعي ذلك، إنما هذه النتف التاريخية والأدبية التي - تنقل وإن كانت مشوهة - لا تخلو من أثر في عقلية العرب، ودليلنا الآن على هذه الاستفادة ما أخذه العرب في جاهليتهم من كلمات كثيرة فارسية ورومانية ومصرية وحبشية، نقلها هؤلاء التجار وأمثالهم وأدخلوها في لغتهم، وجعلوها جزءا منها، وأخضعوها لقوانينها ونطق بها القرآن، وسنأتي على براهين أخرى فيما بعد. (2)
إنشاء المدن العربية على التخوم:
إذا نحن نظرنا إلى مصور آسيا وجدنا أن جزيرة العرب كانت تقع بين أعظم مدنيتين في العالم: فارس شرقا والرومان غربا، وقد حاول الفرس والروم أن يخضعوا العرب لحكمهم اتقاء لغزوهم وسلبهم، ولكنهم كانوا يعدلون عن ذلك لما يستلزمه فتح جزيرة صحراوية من ضحايا في الأنفس والأموال، ولأن طبيعة العيشة العربية جعلتهم لا يخضعون لقوة واحدة إذا تغلب عليها المحارب خضعت له الأمة، بل هناك عصابات وقوات متعددة لا بد لإخضاع البلاد من الاستيلاء عليها جميعا وليس ذلك باليسير؛ من أجل هذا رأى الفرس والروم أن خير وسيلة لدفع شر العرب أن يساعدوا بعض القبائل المجاورة على أن يقروا على التخوم يزرعون ويتحضرون، ثم يكونوا ردءا لهم يصدون غارة البدو الذين يغزون وينهبون؛ فتكونت إمارة الحيرة على تخوم الفرس وإمارة الغساسنة على تخوم الرومان.