تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو وإن كان يتكلم عن عصر التدوين، ويعني به على ما يظهر العصر العباسي، فعلته كذلك صحيحة في العصر الأموي - عصر التابعين ومن بعدهم - إلا أنه غالى في نظريته وسلب العرب ما كان لهم من حظ في المشاركة في العلوم، كان في العصر الأموي عرب من أشهر العلماء، كسعيد بن المسيب، وعلقمة، وشريح، ومسروق والنخعي وغيرهم، ولكن الأكثرين كانوا موالي أو في حكمهم؛ فكان في المدينة سليمان بن يسار، وكان من أعلم الناس وأفقههم، وأبوه مولى ميمونة زوج النبي

صلى الله عليه وسلم ، ونافع مولى عبد الله بن عمر والذي روى عنه أكثر أحاديثه، وأصله من الديلم؛ وربيعة الرأي وهو شيخ الإمام مالك، وأبوه فروخ من الموالي.

ومن علماء مكة مجاهد بن جبر، وكان مولى لبني مخزوم، وهو من أكثر رواة التفسير عن ابن عباس، وعكرمة مولى ابن عباس، والذي روى عنه أكثر علمه، وعطاء بن رباح مولى بني فهر من مولدي الجند

27 ، وكان أسود، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس مولى حكيم بن حزام، وكان من أحفظ الناس للحديث.

واشتهر من علماء أهل الكوفة: سعيد بن جبير مولى بني والبة، وكان أسود، واشتهر بالبصرة الحسن بن يسار، مولى زيد بن ثابت، ومحمد بن سيرين، وكان أبوه من سبي ميسان، وأمه صفية مولاة أبي بكر الصديق وهو من فقهاء البصرة، وكذلك الحسن البصري، وكان أبوه أيضا من سبي ميسان.

واشتهر من أهل الشام مكحول بن عبد الله وهو معلم الأوزاعي، وأبوه من أهل هراة، وأمه ابنة لملك من ملوك كابل.

واشتهر في مصر يزيد بن حبيب مولى الأزد، كان مفتي أهل مصر، وعنه أخذ الليث بن سعد، وكان يزيد بربري الأصل؛ أبوه من أهل دنقلة

28 .

وهناك غير هؤلاء كثير من العلماء من أبوين عربي وعجمي وكالذي رأيت من حكاية سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والمعروف بزين العابدين، فإن الزمخشري يروي أن أمهاتهم بنات يزدجرد، وكالشعبي علامة التابعين فإن أباه عربي وأمه سبي جلولاء.

ويطول بنا القول لو أنا أحصينا من كان من علماء هذا العصر من العرب ومن كان من الموالي؛ ولكن نظرة في أنسابهم عامة تدلنا على أن أكثرهم موال.

جاء في العقد الفريد: «وقال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى وكان ديانا شديد العصبية (أي للعرب): من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين، قال: فما هما؟ قلت: موليان، قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موال، قال: فمن فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافع بن أبي نجيح، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موال، فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي وابن أبي الزناد، قال: فما كانا؟ قلت: من الموالي، فاربد وجهه، ثم قال: فمن فقيه اليمن؟ قلت: طاووس وابنه وابن منبه، قال: فمن هؤلاء؟ قلت: من الموالي، فانتفخت أوداجه وانتصب قاعدا، قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى، فازداد وجهه تربدا واسود اسودادا حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول، قال: فما كان مكحول هذا؟ قلت: مولى، قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت: فوالله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عتبة وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم (النخغي) والشعبي، قال: فما كانا؟ قلت: عربيان، قال: الله أكبر، وسكن جأشه».

ونظير هذا ما جاء في معجم ياقوت في مادة خراسان «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص: صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، فصار فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن كثير، وفقيه أهل البصرة الحسن البصري، وفقيه أهل الكوفة النخغي

فجر الإسلام · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٧٣