واشتهر من هؤلاء في العصر الأموي يعقوب الرهاوي (640-708م تقريبا) وقد ترجم كثيرا من كتاب الإلهيات اليونانية، وليعقوب هذا أثر كبير الدلالة، فقد أثر عنه أنه أفتى رجال الدين من النصارى بأنه يحل لهم أن يعلموا أولاد المسلمين التعليم الراقي، وهذه الفتوى تدل من غير شك على إقبال بعض المسلمين في ذلك العصر على دراسة الفلسفة عليهم، وتردد النصارى أولا في تعليمهم.
ولما جاء دور نقل الفلسفة والعلوم إلى العربية في العهد العباسي، كان لهؤلاء السريانيين الفضل الأكبر في الترجمة، أمثال حنين بن إسحاق، وابنه إسحاق، وابن أخته حبيش، مما نعرض إليه في موضعه إن شاء الله.
الآن نستطيع أن نفهم أن الثقافة اليونانية كانت منتشرة في العراق والشام والإسكندرية، وأن المدارس انتشرت فيها على يد السريانيين، وأن هذه المدارس وهذه التعاليم أصبحت تحت حكم المسلمين، وامتزج هؤلاء المحكومون بالحاكمين على الشرح الذي شرحته، فكان من نتائج هذا أن تشعت هذه التعاليم في الملكة الإسلامية، وتزاوجت العقول المختلفة، كما تزاوجت الأجناس المختلفة، فنتج من هذا التزاوج الثقافة العربية أو الإسلامية، ونتجت المذاهب الدينية والفلسفة الإسلامية والحركات العلمية والفنون الأدبية.
والعرب أنفسهم اتصلوا بهذه الثقافات من قديم؛ فالقفطي في كتابه «أخبار الحكماء» يحدثنا «أن الحارث بن كلدة كان من ثقيف من أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس، وأخذ الطب عن أهل تلك الديار من أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية قبل الإسلام، وجاد في هذه الصناعة، وطب بأرض فارس، وعالج، وشهد أهل بلد فارس - ممن رآه - بعلمه، واشتهر طبه بين العرب، وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيسأله عن علته، وسمية مولاته هي أم زياد بن أبيه».
وابن أبي أصيبعة يقول في كتابه «طبقات الأطباء»: إن النضر بن الحارث بن كلدة ابن خالة النبي
صلى الله عليه وسلم
سافر البلاد كأبيه واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة، واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، واطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه أيضا ما كان يعلمه من الطب وغيره، وكان النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي
صلى الله عليه وسلم ، واعتقد النضر أنه بمعلوماته وفضائله يستطيع أن يقاوم النبوة، «وأين الثريا من الثرى».
وبعد الإسلام استمر هذا الاتصال، فهم يحدثوننا أن خالد بن يزيد بن معاوية «كان من أعلم قريش بفنون العلم، وله كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان بصيرا بهذين العلمين متقنا لهما، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال له مريانس المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التي أشار إليها»
2
ويقول ابن النديم: «إن خالدا عني بإخراج كتب القدماء في الصنعة وكان خطيبا شاعرا فصيحا حازما، وهو أول من ترجم له كتب الطب والنجوم وكتب الكيمياء، وقد رأيت من كتبه كتاب الحرارات، كتاب الكبير، كتاب الصحيفة الصغير، كتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة»
3
ومات خالد سنة 85ه أو 704م.
من هذا جميعه نرى أن الثقافة اليونانية - كالثقافة الفارسية - كانت مبثوثة بين المسلمين في البلدان المختلفة، وكان منالها منهم قريبا، وأنهم أخذوا يستفيدون منها ويتعلمونها على المثقفين بها - ولو لم يكونوا على دينهم - كما تدلنا عليه فتوى يعقوب الرهاوي.
أضف إلى هذا أنه في ذلك العصر، وجد الاحتكاك الديني بين المسلمين والنصارى، فأخذوا يتحادثون ويتحاجون في العقائد؛ ويدلنا على ذلك أن أحد المؤلفين - في هذا العصر - واسمه يحيى الدمشقي ألف رسالة على هذا النمط: «إذا قال لك العربي كذا فأجبه بكذا».
إذا فمن الخطأ البين الفكرة الشائعة أن العرب والمسلمين جميعا كانوا بمعزل عما حولهم من الثقافات والأديان إلى العصر العباسي، وأن آراءهم وآدابهم وعلومهم نبتت وحدها من عقول عربية، من غير أن تغذى بغيرها؛ فقد رأينا أنهم - حتى في جاهليتهم - لم يكونوا بمعزل، وأنهم كانوا بعد الإسلام أكثر اتصالا، ولا يقدح هذا في أية أمة، فالعلم ملك شائع، ومرفق مباح يغترف منه الناس جميعا، وليس له حدود فاصلة كالتي ترسمها السياسة الدولية، وإنما الذي يقدح في الأمة حقا أن تغمض عيونها، وتسد آذانها عما حولها من نظريات وأفكار، أو أن يدفعها التعصب الأعمى أن تنسب لنفسها ما ليس لها، وتعزو إليها خلق ما لم تخلق، وابتداع ما لم تبتدع.