تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وأفراسا حسانا

وكن إذا أغرن على قبيل

فأعوزهن نهب حيث كانا

4

أغرن من الضباب على حلال

وضبة إنه من حان حانا

5

وأحيانا على بكر أخينا

إذا لم نجد إلا أخانا

ومن أجل هذا كثيرا ما تضطر القبيلة التي ضعفت إلى الاحتماء بقبيلة قوية تذود عنها، ولكن قل أن يدوم حلفهم أو يطول، بل سرعان ما ينتقض اجتماعهم وتنفصم وحدتهم، فينقلب المتحالفون أعداء متحاربين.

ليس في البدوي خلق يؤهله للتجارة، فإذا اشترك فيها اقتصر عمله على أن يكون سائقا أو هاديا للطريق أو حاميا من إغارة أمثاله.

أفراد القبيلة متضامنون أشد ما يكون من تضامن، ينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا

إذا جنى أحدهم جناية حملتها قبيلته، وإذا غنم غنيمة فهي للقبيلة ولرئيسها خيرها، وإذا أبت قبيلته أن تحميه لجأ إلى قبيلة أخرى ووالاها، وحسب نفسه كأنه أحد أفرادها؛ فوطنية البدوي وطنية قبلية لا وطنية شعبية، وهذا الشعور بارتباطه بقبيلة يحميها وتحميه هو المسمى بالعصبية.

والممعن في البداوة منهم ضعيف الإيمان بدين، قل أن يؤمن إلا بتقاليد قبيلته وما ورثه عن آبائه

الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم .

مثله الأعلى في الأخلاق تركز فيم سماه «المروءة»، تغنى بها في شعره وأدبه، ومن الصعب أن تحدها حدا دقيقا، ولكن يصح أن تقول: إنها تعتمد على الشجاعة والكرم؛ أما شجاعته فتتجلى في كثرة من نازله وقاتله، وفي مواقف دفاعه عن قبيلته، وأكثر من هذا في نجدته؛ وأما كرمه فيتجلى في نحر الجزور للضيف، وإغاثة البائس الفقير، وفوق هذا أن يعطي أكثر مما يأخذ، وأن «يغشى الوغى ويعف عند المغنم».

دعاهم الكرم أن يأكلوا كثيرا ويشربوا النبيذ كثيرا؛ ولكن بلاد البدو وأشباهها مجدبة قليلة الإنتاج، لا تسد حاجات الكريم، فاتصلوا بأهل الشام والعراق واليمن يستعينون بما يكتسبون على جدب أرضهم وقسوة إقليمهم.

والمرأة تشارك الرجل في شئون الحياة، فهي تحتطب وتجلب الماء، وتحلب الماشية وتنسج المسكن والملبس، وتحيط الثياب، وهي - على الجملة - أقرب في عقليتها إلى عقلية الرجل؛ ولكنها لا تغنى غناء الرجل في الحروب، والحروب عندهم أساس لحياتهم، فانحطت لذلك منزلة المرأة عن منزلة الرجل، وكان في بعض القبائل وأد البنات، وكان فيهم من يقول الله فيه:

وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون . •••

أما الحضر من العرب فهم أرقى من ذلك كثيرا، يسكنون المدن ويقرون فيها، ويعيشون على التجارة أو الزراعة، وقد أسسوا قبل الإسلام ممالك ذات مدنية كاليمن، والغساسنة في الشام، واللخميين في العراق، كما سنذكره فيما يلي.

الفصل الثاني

| اتصال العرب بمن جاورهم من الأمم

شاع بين الناس أن العرب في جاهليتها كانت أمة منعزلة عن العالم، لا تتصل بغيرها أي اتصال، وأن الصحراء من جانب والبحر من جانب حصراها وجعلاها منقطعة عمن حولها، لا تتصل بهم في مادة، ولا تقتبس منهم أدبا ولا تهذيبا، والحق أن هذه فكرة خاطئة، وأن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم ماديا وأدبيا، وإن كان هذا الاتصال أضعف مما كان بين الأمم المتحضرة لذلك العهد، نظرا لموقعها الجغرافي ولحالتها الاجتماعية.

وهذا الاتصال بين العرب وغيرهم كان من طرق عدة، أهمها: (1)

التجارة. (2)

إنشاء المدن العربية المتاخمة لفارس والروم. (3)

البعثات اليهودية والنصرانية التي كانت تتغلغل في جزيرة العرب، تدعو إلى دينها وتنشر تعاليمها، وسنذكر كلمة عن كل منها: (1)

التجارة:

من قديم كانت جزيرة العرب طريقا عظيما للتجارة؛ فطورا تنقل غلاتها إلى ممالك أخرى كالشام ومصر، وأهم هذه الغلات البخور الذي يكثر في الجنوب ولا سيما في ظفار؛ وطورا تنقل غلات بعض الممالك إلى البعض الآخر؛ ذلك لأن طريق البحر لم يكن طريقا آمنا، فالتجأ التجار إلى البر يسلكونه، ولكن طريق البر نفسه كان طويلا وكان خطرا، لذلك أحاطوه بشيء من العناية، كأن تخرج التجارة قوافل، وأن تسير القوافل في أزمنة محدودة وفي طرق محدودة.

فجر الإسلام · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٦