يظهر لنا أنه في أواخر عهد الدولة الأموية حول الفرس الكتابة العربية إلى نمط آخر لم يكن يعرفه العرب، وهو نوع الكتابة التي اشتهر بها عبد الحميد الكاتب ومدرسته؛ فقد كان عبد الحميد كاتب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، ويقول صاحب العقد: «إنه كتب لعبد الملك بن مروان وليزيد، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء بني أمية حتى انقضت دولتهم»، ويقول ابن خلكان: «إنه كان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماما ... وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا، ولآثاره اقتفوا ... وهو أول من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب، فاستعمل الناس ذلك بعده»
13
وقال الشريشي في شرح المقامات: «إنه أول من فتق أكمام البلاغة وأسهل طرقها، وفك رقاب الشعر» ووصيته للكتاب - إن صحت - تدلنا على أنه كان الآخذ بزمامهم والراسم لهم طريقهم.
ودليلنا على أن منحاه في الكتابة ذو صبغة فارسية ما حكاه ابن خلكان من «أن عبد الحميد من الموالي وأصله من الأنبار»
14
وحكي أيضا «أنه أخذ الكتاب عن سالم مولى هشام بن عبد الملك»، وأصرح من هذا في الدلالة ما حكاه أبو هلال العسكري في كتابه «ديوان المعاني» قال: «فمن تعلم البلاغة بلغة من اللغات ثم انتقل إلى لغة أخرى أمكنه فيها من صنعة الكلام ما أمكنه في الأولى؛ وكان عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها من اللسان الفارسي، فحولها إلى اللسان العربي؛ ويدلك على هذا أيضا أن تراجم خطب الفرس ورسائلهم هي على نمط خطب العرب ورسائلها، وللفرس أمثال مثل أمثال العرب معنى وصنعة، وربما كان اللفظ الفارسي في بعضها أفصح من اللفظ العربي»
15
ثم ذكر أمثالا بنصها الفارسي وما يقابلها في اللغة العربية وفاضل بينها.
فلعلك تقر معي في هذا أن الأدب الفارسي صبغ الأدب العربي صبغة جديدة، وربما كان أدق من ذلك أن تقول إنهما «تفاعلا».
هذا مختصر النواحي التي كان لها أثر للفرس في حياة العرب الأدبية، أما أثرهم في تدوين العلوم، ومن نبغ منهم من علماء في الفروع المختلفة، فسنعرض له في موضع آخر.
| مصادر هذا الباب
اعتمدنا في الفصل الأول - عدا ما ذكرنا من الكتب العربية أثناء البحث على: (1)
Browne, A Literary History of
Persia . (2)
Sykes, A History of Persia . (3)
Levy, Bersian Literature (4)
Iqbal, The Development of Metophysics in
Persia . (5)
دائرة المعارف البريطانية في مادة
Zoroaster
و«ماني» و«مزدك». (6)
Every man, Encyclopaedia. .
وفي الفصل الثاني اعتمدنا على ما ذكر من الكتب العربية أثناء البحث.
الجزء
الرابع
| التأثير اليوناني - الروماني
الفصل العاشر
| النصرانية
فتح المسلمون البلاد وهي مملوءة بالنصارى في مصر وبلاد المغرب والأندلس والشام، وكانت النصرانية عند الفتح منقسمة إلى جملة طوائف، أشهرها في الشرق ثلاثة: اليعاقبة، وكانت منتشرة في مصر والنوبة والحبشة، والنساطرة
1 : وكانت منتشرة في الموصل والعراق وفارس. والملكانية: وكانت منتشرة في بلاد المغرب وصقلية والأندلس والشام، وكان بين هذه المذاهب جدال في العقائد الدينية؛ فاليعاقبة كانوا يرون أن المسيح هو الله، وأن الله والإنسان اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح؛ والملكانية والنساطرة قالوا: إن للمسيح طبيعتين متميزتين: الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية، وإن اختلفت الطائفتان فيما عدا ذلك من التفاصيل، وقد استمر الخلاف بين هذه الفرق في: هل اللاهوتية وما للناسوتية من إرادة وفعل متحدتان في المسيح، أو مختلفتان؟ قالت اليعاقبة بالأولى، وقالت النساطرة: إن للمسيح ناسوتية لها إرادة، ولها فعل يختلف كل الاختلاف عن العنصر اللاهوتي
2 ، واختلفوا في تصوير اتحاد اللاهوت بالناسوت، فقال اليعاقبة: كاتحاد الماء يلقى في الخمر فيصيران شيئا واحدا، وقالت النسطورية: كاتحاد الماء يلقى في الزيت، فكل واحد منهما باق بحسبه، وقالت الملكانية: كاتحاد النار في الصفيحة المحماة