وفي الحديث عن علي رضي الله عنه قال: «خرج عبدان إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يوم الحديبية قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم يقولون يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما هربوا من الرق، فقال ناس ردهم إليهم، فغضب
صلى الله عليه وسلم
من ذلك ... وأبى أن يردهم»
6
وكان هؤلاء الأرقاء في الجاهلية وعلى عهد رسول الله منهم عرب كما بينا، ومنهم غير ذلك سود وبيض، وكان هؤلاء البيض من الممالك التي حول جزيرة العرب، وكثير من الصحابة جرى عليه الرق كبلال وكان حبشيا، وسلمان وكان فارسيا، وصهيب وكان يلقب بالرومي «لأن الروم أسرته من الأيلة ونشأ بالروم ... إلخ»، وأهدى رسول الله حسان بن ثابت «سيرين» وكانت أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان.
وقد اتبع نظام الاسترقاق في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم ، فكان من أسر في الغزوات يجوز استرقاقه، كالذي كان في غزوة بني المصطلق، جاء في سيرة ابن هشام «أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أصاب منهم - من بني المصطلق وهم عرب من خزاعة - سبيا كثيرا فشا قسمه في المسلمين».
ولما انتشر الإسلام لم يعد يقبل من العربي إلا الإسلام أو القتال، فأصبح غير محل للاسترقاق، حتى لو وقع أسيرا فإما أن يسلم وإما أن يقتل.
ولما كثرت الفتوح كثر الاسترقاق من الأمم المفتوحة كثرة هائلة، ووزع المسترقون رجالا ونساء وذراري على العرب الفاتحين، حتى يرى المسعودي أن الزبير بن العوام كان له ألف عبد وألف أمة.
وهذا الرقيق يعد مملوكا للسيد كالمتاع، له الحق في بيعه وهبته، وإذا كان أمة جاز للسيد أن يستمتع بها.
ولا يقيد الملك بعدد، فيصح أن يكون للرجل عدد كبير من العبيد، كما يصح أن يكون في بيته عدد من الإماء، وإذا ولدت الأمة من سيدها فالولد ابنه وتسمى هي «أم ولد» له، وتبقى ملكا له بعد ولادتها يستمتع بها، ولكن لا يجوز له أن يبيعها أو يهبها، وإذا مات عنها فهي حرة.
وقد أوجب الإسلام حسن معاملة الرقيق، وحبب إلى المالك العتق، وجعله كفارة عن كثير من الجرائم.
وللمالك أن يعتق عبده أو أمته؛ أي: أن يرد له حريته، ولكن تبقى هناك صلة بين المعتق والمعتق؛ وهذه الصلة تسمى «الولاء» ويظل المعتق ينسب إلى من أعتقه، فيقولون: زيد بن حارثة مولى رسول الله؛ أي: عتيقه، وإن كانت أنثى فهي مولاته، والجمع موال، وإذا كان المعتق من قبيلة، فقد ينسبون المولى إلى هذه القبيلة، فيقولون مولى بني هاشم، أو مولى ثقيف؛ وأحيانا يعبرون عن ذلك بقولهم: الهاشمي بالولاء، أو الأموي بالولاء؛ وهكذا، ويظهر أثر هذه الصلة فيما إذا مات المعتق من غير وارث فإن المعتق يرثه.
وقد كانوا أحيانا يبيعون الولاء مع بقاء الرق، جاء في الأغاني في ترجمة (سائب خاثر) «أن أصله من فيء كسرى؛ وقد اشترى عبد الله بن جعفر ولاءه من مواليه»
7 .
وهناك نوع آخر من الولاء ليس سببه العتق، وإنما سببه أن يسلم رجل على يد رجل آخر، ويتعاقد معه فيكون ولاؤه له
8 .
هذا هو نظام الولاء من الوجهة القانونية، أما تاريخيا، فيظهر أن الولاء لم يكن له هذا المعنى عند العرب في الجاهلية، وإنما كان يطلق «موالي الرجل» على حلفائه وعلى ورثته من بني عمه وإخوته وسائر عصبته؛ جاء في تفسير الطبري: «قال ابن زيد في قوله تعالى:
ولكل جعلنا موالي ، قال: الموالي العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي؛ فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسما، فقال تبارك وتعالى:
إن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ، فسموا الموالي، قال: والموالي اليوم موليان: مولى يرث ويورث، فهؤلاء ذوو الأرحام؛ ومولى يورث ولا يرث، فهؤلاء العتاقة»، فظاهر من قوله أن إطلاق الموالي على هذه الأعاجم معنى مستحدث في الإسلام، والظاهر أنه استعمل في عهد النبي