تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألست ترى معي دقة نظر عمرو هذا في تفريقه بين نجوم يتوقف على بقائها نظام هذا العالم وأخرى ليست لها هذه القيمة وهي الشهب؟ ولكن شيئا من ذلك ليس الشرح الفلسفي للنجوم والشهب، ولا التعليل الواضح الجلي للارتباط بين السبب والمسبب.

لاحظ بعض المستشرقين أن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك، وقبله لاحظ هذا المعنى بعض المؤلفين الأقدمين من المسلمين، فقد جاء في «الملل والنحل» للشهرستاني عند الكلام على الحكماء: «الصنف الثاني حكماء العرب وهم شرذمة قليلة، وأكثر حكمتهم فلتات الطبع وخطر الفكر» وقال في موضع آخر: «إن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد ... والمقاربة بين الأمتين مقصورة على اعتبار خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات، والغالب عليهم الفطرة والطبع، وإن الروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، حيث كانت المقاربة مقصورة على اعتبار كيفية الأشياء، والحكم بأحكام الطبائع، والغالب عليهم الاكتساب والجهد».

فالعربي لم ينظر إلى العالم نظرة عامة شاملة كما فعل اليوناني مثلا، لقد ألقى اليوناني - أول ما تفلسف - نظرة عامة على العالم، فساءل نفسه: كيف برز هذا العالم إلى الوجود؟ إني أرى هذا العالم جم التغير كثير التقلب! أفليس وراء هذه التغيرات أساس واحد ثابت؟ وإذا كان فما هو؟ آلماء أم الهواء أم النار؟ وأرى العالم كله كالشيء الواحد يتصل بعضه ببعض وهو خاضع لقوانين ثابتة، فما هذا النظام، وكيف نشأ، ومم وجد؟

هذه الأسئلة وأمثالها وجهها اليوناني إلى نفسه فكانت أساس فلسفته، ومبناها كلها النظرة الشاملة، أما العربي فلم يتجه نظره هذا الاتجاه، ولا بعد الإسلام، بل كان يطوف فيما حوله، فإذا رأى منظرا خاصا أعجبه تحرك له، وجاش صدره بالبيت أو الأبيات من الشعر أو الحكمة أو المثل، فقال مثلا:

منع البقاء تقلب الشمس

وطلوعها من حيث لا تمسى

وطلوعها بيضاء صافية

وغروبها صفراء كالورس

تجري على كبد السماء كما

يجري حمام الموت في النفس

اليوم أعلم ما يجيء به

ومضى بفصل قضائه أمس

فأما نظرة شاملة، وتحليل دقيق لأسسه وعوارضه، فذلك ما لا يتفق والعقل العربي، وفوق هذا، هو إذا نظر إلى الشيء الواحد لا يستغرقه بفكره، بل يقف فيه على مواطن خاصة تستثير عجبه، فهو إذا وقف أمام شجرة لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها؛ وإذا كان أمام بستان لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه «الفوتوغرافيا»، إنما يكون كالنحلة يطير من زهرة إلى زهرة، فيرتشف من كل رشفة.

هذه الخاصة في العقل العربي هي السر الذي يكشف لك ما ترى في أدب العرب - حتى في العصور الإسلامية - من نقص، وما ترى فيه من جمال.

فأما النقص فما تشعر به حين تقرأ قطعة أدبية - نظما أو نثرا - من ضعف المنطق، وعدم تسلسل الأفكار تسلسلا دقيقا، وقلة ارتباط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، حتى لو عمدت إلى القصيدة - وخاصة في الشعر الجاهلي - فحذفت منها جملة أبيات أو قدمت متأخرا أو أخرت متقدما، لم يلحظ القارئ أو السامع ذلك - وإن كان أديبا - ما لم يكن قد قرأها من قبل.

وهذا النقص تلمحه فيما يكتب في الموضوعات الأدبية، فأنت إذا قارنت بين ما يكتبه الجاحظ أو ابن عبد ربه أو أبو هلال العسكري في الخطابة أو الوصف، وما يكتبه أرسطو في ذلك رأيت الطبيعتين مختلفتين تمام التخالف، فأرسطو يحلل الخطابة مثلا، ويبين منزلتها من البلاغة، وأقسام الخطابة وأجزاء الخطبة؛ وكيف يتكون الخطيب ... إلخ بنظر شامل بحيث تدرك الخطابة صورة كاملة؛ أما كتاب العرب فيكتبون جملا رشيقة ودررا منثورة في الخطابة، لا يتكون منها شكل تام.

ويجب أن تعني - إذا أردت المقارنة الصحيحة - باستبعاد من تأثر طبعه وعقله بالفلسفة اليونانية كالسكاكي وأمثاله.

فجر الإسلام · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ٢١