تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14 .

فترى من هذا أن ابن خلدون في حكمه على العربي خلط بين العربي في عصوره المختلفة، وأصدر عليه أحكاما عامة، مع أنه هو نفسه القائل بأن العربي يتغير بتغير البيئة.

ثم يقول (أوليري): «إن العربي ضعيف الخيال جامد العواطف»، أما ضعف الخيال فلعل منشأه أن الناظر في شعر العرب لا يرى فيه أثرا للشعر القصصي ولا التمثيلي، ولا يرى الملاحم الطويلة التي تشيد بذكر مفاخر الأمة، كإلياذة هوميروس وشاهنامة الفردوسي، ثم هم في عصورهم الحديثة ليس لهم خيال خصب في تأليف الروايات ونحو ذلك، ونحن مع اعتقادنا قصور العرب في هذا النوع من القول، نرى أن الضرب أحد مظاهر الخيال لا مظهر الخيال كله، فالفخر والحماسة والغزل والتشبيه والمجاز كل هذا ونحوه مظهر من مظاهر الخيال، والعرب قد أكثروا القول فيه كثرة استرعت الأنظار وإن كان الابتكار فيه قليلا.

كذلك ما ملئ به شعر العربي من الغزل، وبكاء الأطلال والديار، وذكرى الأيام والحوادث، وما وصف به شعوره ووجدانه، وصور به التياعه وهيامه، لا يمكن أن يصدر عن عواطف جامدة.

أما رأي الجاحظ فيتلخص في أنه يسلم بقول الشعوبية في أن ليس لهم علم ولا فلسفة ولا كتب موروثة، ويرى أن العرب عوضوا عن هذا بميزتين واضحتين: طلاقة اللسان، وحضور البديهة؛ والحق أنهما صفتان ظاهرتان فيهم، ويكفي أن تلقي نظرة على ما خلفوه من آدابهم لتعترف بما منحوا من لسان ذلق وبديهة حاضرة، ولعلك من هذه المناقشة تلمح رأينا في العرب، فهم ليسوا في جاهليتهم وإسلامهم في درجة واحدة من الرقي العقلي والخلقي، فلنقتصر الآن على وصف العربي الجاهلي:

العربي عصبي المزاج، سريع الغضب يهيج للشيء التافه، ثم لا يقف في هياجه عند حد، وهو أشد هياجا إذا جرحت كرامته، أو انتهكت حرمة قبيلته، وإذا اهتاج أسرع إلى السيف واحتكم إليه، حتى أفنتهم الحروب، وحتى صارت الحرب نظامهم المألوف، وحياتهم اليومية المعتادة.

والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيرا ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلا أن يفجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب، ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر، فهو يقلب المعنى الواحد على أشكال متعددة، فيبهرك تفننه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى، وإن شئت فقل: إن لسانه أمهر من عقله.

خياله محدود وغير متنوع، فقلما يرسم له خياله عيشة خيرا من عيشته، وحياة خيرا من حياته يسعى وراءها، لذلك لم يعرف «المثل الأعلى »؛ لأنه وليد الخيال، ولم يضع له في لغته كلمة واحدة دالة عليه، ولم يشر إليه فيما نعرف من قوله، وقلما يسبح خياله الشعري في عالم جديد يسقي منه معنى جديدا، ولكنه في دائرته الضيقة استطاع أن يذهب كل مذهب.

أما ناحيتهم الخلقية فميل إلى حرية قل أن يحدها حد، ولكن الذي فهموه من الحرية هي الحرية الشخصية لا الاجتماعية، فهم لا يدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم، تاريخهم في الجاهلية - حتى وفي الإسلام - سلسلة حروب داخلية، وعهد عمر بن الخطاب كان عصرهم الذهبي؛ لأنه شغلهم عن حروبهم الداخلية بحروب خارجية، ولأنه رضي الله عنه منح فهما عميقا ممتازا لنفسية العرب.

والعربي يحب المساواة، ولكنها مساواة في حدود القبيلة، وهو مع حبه للمساواة كبير الاعتداد بقبيلته ثم بجنسه، يشعر في أعماق نفسه بأنه من دم ممتاز، لم يؤمن بعظمة الفرس والروم مع ما له ولهم من جدب وخصب، وفقر وغنى، وبداوة وحضارة، حتى إذا فتح بلادهم نظر إليهم نظرة السيد إلى المسود، هذا وصف موجز تجد تفصيله في الفصل الآتي.

من هذا الذي ذكرنا مما للعرب من عقلية طبيعية، ومن ذلك الذي شرحنا من اتصال العرب بغيرهم من الأمم المتحضرة، نبع ما لهم من حياة عقلية مظهرها اللغة والشعر والمثل والقصص.

فجر الإسلام · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٩