تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتعليل الصحيح في نظرنا أن هؤلاء الحيريين والغسانيين كان فيهم شعراء، ولكن كانت لهم أيضا لغة خاصة بهم غير لغة قريش التي سادت الحجاز، ولم تستطع أن تسود الحيرة وغسان لبعد موطنها، ولأن الحيريين والغسانيين أرقى ممن حولهم من العرب، فأنفوا أن يخضعوا للسان غير لسانهم، وقد يستتبع ذلك أن تكون لهم في الشعر أوزان خاصة تتفق مع لغتهم وعقليتهم، فلما جاء الإسلام، ونزل القرآن بلغة قريش أهمل الرواة ما كان خارجا عن هذه اللغة وقواعدها وأوزانها.

ولا يطعن في هذا الرأي ما يروى من شعر لعدي بن زيد، وما يروى لنا من رحلة شعراء الجزيرة إلى الحيرة وغسان وتفاهمهم، فإن عدي بن زيد - كما يحدثنا الرواة - له نسب في عرب الجزيرة، ورحلة الشعراء ليست اعتراضا وجيها؛ لأنا نرى أن لغة الحيرة والغسانيين مع اختلافها عن لغة الحجاز قريبة منها لاتفاق الأصل الذي تفرعت عنه لغات العرب ولهجاتها؛ فليس ببعيد أن يكون للحيريين والغسانيين لغة خاصة وهم مع ذلك يستطيعون أن يفهموا لغة قريش إذا حدثوا بها.

ودليلنا على صحة هذا الرأي أن النسابين - كما ذكرنا - يذهبون إلى أن اللخميين والغسانيين من أصل يمني، وثقات المؤرخين قديما وحديثا يؤكدون أن لغة اليمن كانت غير لغة قريش؛ وفي ذلك يقول ابن خلدون: «ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة، وتغيرت عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته، تشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا، خلافا لمن يحمله القصور على أنهما لغة واحدة ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها، كما يزعم بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري أنه من القول، وكثير من أشباه هذا، وليس هذا بصحيح؛ ولغة حمير مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها»

9 .

فلو جارينا النسابيين فيما قالوا في أصل لخم وغسان كان الأمر في اختلاف اللغتين واضحا، بل أكبر ظننا أن اللخميين والغسانيين كانوا نبطا لا يمنيين ولا عربا خلصا، وأنه كان لهم شعرهم وآدابهم باللغة النبطية. (3)

اليهودية والنصرانية:

من عوامل نشر الثقافة الأجنبية في جزيرة العرب انتشار اليهودية والنصرانية.

اليهودية:

انتشرت اليهودية في جزيرة العرب قبل الإسلام بقرون، وتكونت فيها مستعمرات يهودية، وأشهرها يثرب، وهي التي سميت بعد بالمدينة، ولكن من هم هؤلاء اليهود في جزيرة العرب؟ هل هم من عنصر يهودي أم هم عرب تهودوا؟ وإذا كان الأول فمن أين أتوا: هل أتوا من فلسطين أو من غيرها؟ اضطربت الأخبار في ذلك، ويظهر أن الصنفين كانا موجودين في الجزيرة، يهود نزحوا وعرب تهودوا، فياقوت في معجمه يذكر أن يهود يثرب عرب تهودوا، ويقول صاحب الأغاني: «إنه لما ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعا في الشام فوطئوهم وقتلوهم ونكحوا نساءهم خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل هاربين منهم إلى من بالحجاز لما غلبتهم الروم على الشام»، وليس هنا موضع تحقيق ذلك.

وعلى كل حال فقد كان في القرون الأولى للميلاد مستعمرات يهودية: في تيماء ، وفي فدك، وفي خيبر، وفي وادي القرى، وفي يثرب وهي أهمها، وكان يهود يثرب ثلاث قبائل: بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة.

وقد اشتهر اليهود في جزيرة العرب حيث حلوا بمهارتهم في الزراعة كما اشتهروا في يثرب أيضا بصناعاتهم المعدنية كالحدادة والصياغة وصنع الأسلحة.

وقد كان بيثرب قبيلتا الأوس والخزرج نزحتا إليها من اليمن - كما يذكر النسابون - حوالي سنة 300م بعد أن سبقهم اليهود إلى استعمارها، وكانت العلاقة بين اليهود والأوس والخزرج حسنة في أول الأمر، ثم ساءت قبل الهجرة لأسباب يختلف الباحثون فيها.

كذلك عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي الجزيرة، حتى تهود كثير من قبائل اليمن، ومن أشهر هؤلاء المتهودين ذو نواس، وقد اشتهر بتحمسه لليهودية، واضطهاده لنصارى نجران، وذكروا في سبب ذلك أن يهوديا كان بنجران عدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلما، فرفع أمره إلى ذي نواس وتوسل إليه باليهودية، واستنصره على أهل نجران وهم نصارى فحمى له ولدينه وغزاهم

فجر الإسلام · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فجر الإسلامص ١٢