عن طريق الحديث هذا انتشرت في العالم الإسلامي أنواع من الثقافة عدة؛ فالتاريخ الإسلامي بدأ بشكل حديث كالذي ترى في كتب الحديث من مغاز وفضائل أشخاص وفضائل أمم، ثم تطور التاريخ إلى أن صار كتبا قائمة بنفسها؛ ودليلنا على ذلك أن كتب التاريخ الأولى كسيرة ابن هشام وما يروي ابن جرير عن إسحاق، والبلاذري في فتوح البلدان، يكاد يكون نمطا وأسلوبها نمط حديث وأسلوب حديث؛ وقصص الأنبياء وما إليهم جاءت في القرآن وتوسع فيها الحديث، ثم توسع القصاص فكان القصص، والحكم وقواعد الأخلاق وشيء من فلسفة اليونان والهند والفرس وضعت في الحديث وضعا، وانتشرت بين الناس على أنها دين، فكان لها من الأثر في الناس ما ليس للتعاليم الدنيوية، وفوق ذلك كان الحديث أوسع منبع للتشريع في العبادات والمسائل المدنية والجنائية؛ وغير ذلك مما يطول شرحه.
وعلى الجملة فقد كان الحديث أوسع مادة للعلم والثقافة في ذلك العصر.
| أهم مصادر هذا الفصل
فتح الباري على البخاري.
القسطلاني على البخاري.
مسلم وشرح النووي عليه.
تيسير الوصول إلى جامع الأصول.
المستصفى للغزالي.
شرح مسلم الثبوت.
الموافقات للشاطبي.
أسد الغابة لابن الأثير.
الإصابة لابن حجر.
المعارف لابن قتيبة.
ميزان الاعتدال للذهبي.
طبقات ابن سعد.
مقدمة ابن خلدون.
الملل والنحل لابن حزم.
مسند الإمام أحمد.
دائرة المعارف الإسلامية في مادة «حديث».
شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة.
جامع بيان العلم وفضله للقرطبي.
الفصل السابع عشر
| التشريع
كان عرب الحجاز في الجاهلية - كما رأيت - بدوا أو شبه بدو، فلم تكن لهم حكومة منظمة، ولا ملوك يمنعون من تعدي بعضهم على بعض بما لهم من قوة تنفيذية، إنما كانوا قبائل، إذا كثر عددها انقسموا إلى بطون وأفخاذ وعشائر؛ والرابطة بين أفراد القبائل هي رابطة الدم، فكل من كانوا من دم واحد - ولو في زعمهم - عدوا كتلة واحدة لأفرادها الحق في التمتع بحمايتها، والاستصراخ بها، وعليها أن تدافع عنه، وتطالب بدمه، وعليه الذود عنها، والخضوع لعرفها ودينها، وكان لكل قبيلة شيخ هو صاحب السيادة على أفراد القبيلة، مكنته من هذه السيادة ولادته من بيت الرياسة أو سنه وحكمته، وهو الذي يمثلها في علاقاتها الخارجية بالقبائل الأخرى، وإنما كان يستمد قوته ونفوذه من الرأي العام لقبيلته، لا بما له من جيش وجنود ونحو ذلك.
وكان لكل قبيلة عرف وتقاليد، تشترك أحيانا في أمور وتختلف في أخرى تبعا لبعدها عن البداوة وقربها منها، وكان للقبيلة حاكم يحكم بين من تنازع منهم حسب تقاليدهم وتجاربهم، فالأغاني يقول في أكثم بن صيفي: «إنه كان قاضي العرب يومئذ»، والميداني يقول في عامر بن الظرب: «كان من حكماء العرب، لا تعدل بفهمه فهما، ولا بحكمه حكما»، ولو تتبعنا كتب الأدب لرأينا فيها أن العرب كانوا تارة يتحاكمون إلى شيخ القبيلة، وتارة إلى الكاهن، وتارة إلى من عرف بجودة الرأي وأصالة الحكم، ومن الصعب وضع حدود فاصلة لاختصاص كل، بل مما نشك فيه كثيرا أنه كان هناك حدود فاصلة في الواقع.
هؤلاء الحكام لم يكونوا يحكمون بقانون مدون، ولا قواعد معروفة، إنما يرجعون إلى عرفهم وتقاليدهم التي كونتها تجاربهم أحيانا، ومعتقداتهم أحيانا، وما وصل إليهم عن طريق اليهودية أحيانا، ولم يكن لهذا القانون الجاهلي المؤسس على العرف والتقاليد جزاء، ولا المتخاصمون ملزمون بالتحاكم إليه والخضوع لحكمه، فإن تحاكموا إليه فبها وإلا لا، وإن صدر الحكم أطاعه إن شاء، وإن لم يطعه فلا شيء أكثر من أن يحل عليه غضب القبيلة.
وقد روت لنا كتب الأدب كثيرا من قضاياهم في الخصومات الأدبية، وهي أن يتنازع سيدان أيهما أسود فيتحاكمان إلى حكم، فمن حكم له كان الفضل والشرف له ولعشيرته، والذل والعار للمنفور؛ وهذه القصص تدلنا على أن هؤلاء الحكام كانوا من قبيل ما نسميهم بالمحكمين، فلم يكن لهم سلطة مستمدة من الحكومة؛ إذ لا حكومة لهم تمدهم بالسلطان، ولا الخصوم ملزمون بالتقاضي أمامهم، وكل ما في الأمر أن الرجل إذا عرف بسداد الرأي، وصحة الحكم، وسعة العلم بوقائعهم ونسبهم نصبوه حكما، وروى لنا البخاري قضية جنائية حدثت قبيل الإسلام