فقبلوا يديه ورجليه، وقالوا: نشهد أنك نبي. قال فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا إن داود دعا بأن لا يزال من ذريتي نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود) (1).
فانظر إلى تصديقهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم له بأنه نبي، لكن لما لم يقبلا اتباعه والالتزام بما جاء به من شرع لم يحكم لهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام، بل بقيا على كفرهما الأصلي، فدل ذلك على أنه لابد في تحقيق أصل الدين مع اعتقاد أن دين الله حق من قبوله والرضى به و التحاكم إليه وحده.
ومثله أيضاً ما ورد من قصة أبي حارثة، وقدومه على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد نصارى نجران.
قال ابن القيم عنه: (وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس و بسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده
ص 65
في دينهم، فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والى جنبه أخ له يقال: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة بل أنت تعست، فقال ولم يا أخي؟ فقال والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره، فقال له كرز فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في فقه هذه القصة: (وفيها: أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذه الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل فلما أجابهما قالا نشهد أنك نبي قال: (فما يمنعكما من اتباعي؟) قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود، ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ونظير ذلك شهادة عمه أبي طالب بأنه صادق، و أن دينه من خير أديان البرية ديناً، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.
ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة، و أنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، و أنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة و الإقرار فقط. بل المعرفة و الإقرار والانقياد والتزام طاعته ظاهراً وباطناً) (2)
(1) () رواه الترمذي / كتاب الاستئذان / (2733). وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي / كتاب تحريم الدم/ (4078). و أحمد في المسند (4/ 240).
(2) () "زاد المعاد" للإمام ابن القيم (3/ 629 - 630). (3/ 638 - 639). وانظر " تفسير ابن كثير" (1/ 368). و "السيرة النبوية الصحيحة" د. أكرم العمري (ص/542). وأصل القصة في الصحيحين. وانظر البخاري/ كتاب المغازي/ (4380). ومسلم / فضائل الصحابة/ (2420).