فإنه لما غلا المرجئة فاعتبروا مجرد الإقرار كافياً لثبوت وصف الإسلام للمعين ابتداء واستمرارً، فقد غلا آخرون فألغوا اعتبار الإقرار في الحكم للمعين بالإسلام ابتداءً.
واشترطوا بدلاً من ذلك شروطاً ابتدعوها، تناقض صريح السنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية، وما استقر عليه فهم الصحابة رضوان الله عليهم بعده، وما هو معلوم بالضرورة عند جميع علماء المسلمين.
ومنشأ هذا الغلو من أحد أمرين:
الأول: الزعم بأن عموم الناس اليوم قد جهلوا مفهوم الشهادتين، وأنهم لا يعرفون حقيقة العبادة والدين، ولا معنى الرب والإله، وأنهم ليسوا مسلمين وإن نطقوا بالشهادتين وأظهروا شعائر التعبد.
لكنهم بعد أن اتفقوا على التوقف عن إثبات وصف الإسلام للناس بمجرد النطق بالشهادتين اختلفوا في الأصل في الحكم على الناس اليوم، فمنهم من يقول إنهم في الأصل كفار كما كان الناس في عهد
ص 27
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصل كفاراً حتى يتبين منهم إسلام، ومنهم من يقول بالتوقف عن إثبات وصف الكفر أيضاً كما توقف عن إثبات وصف الإسلام.
والحقيقة أنه لم يحصل أن ارتدت الأمة ردة جماعية شملتها، ولا حصل أن شمل الجهل بمفهوم الشهادتين عموم الناس، بحيث يكون مبرراًٍ لعدم اعتبار إقرارهم بالإسلام، أو جهل بعض المسلمين مفهوم الشهادتين فلا يمكن أن يكون ذلك حكماً عاماً عليهم جميعهم، بل الإسلام ثابت لهم ابتداءً، وهذه الأمور إن حصلت فهي أمور طارئة، لا يمكن أن تصل إلى حد التعميم والقاعدة المطلقة.
وأما السبب الثاني لهذا الغلو فهو: الخلط بين اعتبار الالتزام بجنس العمل وكونه ركنًا للإِيمان، وبين الحكم للمعين بالإِسلام. واشتراطِ حد أدنى من ذلك الالتزام، لابد من استيفائه من المعين قبل الحكم بإسلامه، واعتبار الالتزام بالفرائض هو حد الإِسلام الأدنى، مما ترتب عليه اشتراط التبين لذلك الحد في كل معين بكيفية ابتدعوها، والتكفير بالمعاصي، لما فهموه من أن في ذلك مناقضة للالتزام الظاهر الذي هو من أصل الدين.
***
وأما المحور الثالث للبحث في هذا الموضوع فهو حول بيان الشروط التي لابد من تحققها وتبينها قبل الحكم بكفر المعين، وذكر حقيقة العلاقة بين الظاهر والباطن.
وقد ضل في هذا الأصل فريقان: