ص 22
(الإسلام الكلمة، و الإيمان قول وعمل). (1)
فالإسلام يثبت ابتداء بالكلمة التي هي الإقرار. لكن لابد من تحقيق مقتضى الإقرار واجتناب نواقضه، وليست المخالفة كفراً مطلقاً، بل تكون نقصاً في الإيمان مع أنها مخالفة لمقتضى الإقرار، حتى إذا كانت المخالفة بناقض انتقض نفس الإقرار ولم يبق له اعتبار.
****
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى غلو أبعد عند كلام الاتجاهين على السواء.
فإذا كان الخوارج الأوائل قد كفروا بالذنب فإنهم لم يصلوا إلى الإتفاق على أن الأصل في مخالفيهم مطلقاً هو الكفر أو التوقف. بل ذهب بعضهم كالبيهسية إلى أنه (إذا كفر الإمام كفرت الرعية، وقالت: الدار دار شرك وأهلها جميعاً مشركون. وتركت الصلاة إلا خلف من تعرف) (2). و أما آخرون منهم كالأخنسية فإنهم (يتوقفون في جميع من في دار التقية من منتحلي الإسلام و أهل القبلة إلا من عرفوا منه إيماناً فيتولونه عليه أو كفراً فيتبرؤون منه لأجله) (3)
فلم يكن ذلك اتجاهاً عاماً لجميع الخوارج، بخلاف أصحاب التوقف في عصرنا، فإنهم جعلوا ذلك أصلاً، واشترطوا التبين مطلقاً في الحكم للمعين بالإسلام، مما كان من نتائجه عند بعضهم التكفير بالكبيرة.
وفرق بين من يكون التكفير بالكبيرة أصل قوله، مع عدم التزامه
ص 23
بالتوقف عن إثبات الإسلام لمن تحقق منه ما يدل على ذلك، وبين من يكون التكفير بالكبيرة نتيجة لاشتراط حد أدنى للإسلام، لا يثبت ابتداءً لأي معين إلا بعد استيفائه والتحقق منه.
بل وصل بهم الأمر إلى القول بـ (سحب الكفر على عصور التاريخ الإسلامي منذ القرن الرابع) (4). و إلى القول بأن جماعتهم (هي الجماعة الوحيدة المسلمة في العالم) (5). وهذا نهاية الغلو غاية الظلم و الإسراف.
(1) () " الإيمان " لابن تيمية (ص/240).
(2) () " مقالات الإسلاميين" للأشعري (ص/116).
(3) () نفس المرجع السابق (ص/97).
(4) () ذكرياتي مع جماعة المسلمين (التكفير والهجرة). عبد الرحمن أبو الخير.
(5) () المرجع السابق.