وقال تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿86﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴿87﴾ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿88﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون / 84 - 89].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت/ 61].
فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابداً له دون سواه، داعياً له دون ما سواه، راجياً له خائفاً منه دون ما سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه ويطيع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهي عما نهى عنه. وقد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال/ 39].
وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له أنداداً، قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿43﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر / 43 – 44]).
ولهذا كان أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعونها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها، وينسك لها،
صـ 179
ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سبباً وواسطة لم أكن مشركاً.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه) (1).
ومن جميع ما تقدم هنا في شرك التقرب والنسك، وما سبقه في شرك الطلب ندرك أن مرجئة المتكلمين لا يرونها شركاً بإطلاق، ما لم يتضمن ذلك عندهم الشرك في الاعتقاد. أما مجرد شرك الواسطة فلا.
وأصل شبهتهم في ذلك كما سبق بيانه مفصلاً هو أن الشرك باتخاذ الوسائط في الطلب وفي التقرب والنسك من شرك الإرادة المتعلق بالاستعانة وتعلق القلب بغير الله، وتوجه الإرادة والقصد إلى غير الله.
وعلى هذا لا يكون الشرك عندهم إلا في اعتقاد شريك مع الله في ذاته بإثبات أكثر من رب، أو في صفاته باعتقاد المشابهة بينه وبين مخلوقاته فيها، أو في أفعاله باعتقاد أن لبعض خلقه استقلالاً بالخلق والايجاد.
(1) () (درء التعارض) (1/ 225 – 228).