وهذا الضابط مهم في تبليغ الحكم المتعلق بالنازلة فلا يكفي الإخبار وحده بحكم الواقعة بل لا بد أن يكون ذلك الإخبار واضحاً بيناً لا غموض فيه ولا إبهام فيه، وألا يفضي إلى الاضطراب والاختلاف في معرفة المعنى المقصود بالفتوى .
وقد وضح الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ أهمية هذا الضابط بقوله : (( لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة ، بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب ، كافياً في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال : يقسم على الورثة على فرائض الله عز وجل وكتبه فلان ، وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال : يصلي على حديث عائشة ... وسئل آخر فقال : فيها قولان ولم يزد ..))(1).
ويدخل ضمن هذا الأدب في الفتيا مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون متجنباً وعورة المصطلحات الصعبة وخشونة الألفاظ الغريبة ، متوخياً السهولة والدقة .
وقد جاء عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله ))(2).
فمراعاة حال السائلين من حيث فهم الخطاب وإدراك معنى الحكم مطلبٌ مهم يجب على الناظر مراعاته وتوخيه دون أن يكون قاصراً على فهم طائفة معينة ، أو خالياً من التأصيل العلمي اللائق بالفتوى تنزّلاً لحال العوام من الناس بل على الناظر مراعاة الوسط والاعتدال بين ما يفهمه العامي ويستفيد منه المتعلم ، ولذلك قال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ في ضمن صفات المفتي :
((
(1) - إعلام الموقعين 4 / 136 .
(2) - أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب العلم ، باب من حض بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا 1 / 44 ( 124 ) .