فأخذ القدح، فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم فقال: (أبا هر) قلت: لبيك يا رسول الله قال: (بقيت أنا وأنت) قلت: صدقت يا رسول الله، قال: (اقعد فاشرب) فقعدت فشربت، فقال: (اشرب) فشربت فما زال يقول: (اشرب) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: (فأرني) فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة" [البخاري (7/179ـ180)].
وقد كان القراء من الأنصار، يحتطبون ويبيعون الحطب ويشترون به الطعام لأهل الصفة، روى ذلك أنس رضى الله عنه – وكان صغيراً – قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القران والسُنَّة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء" [مسلم (3/511)].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو على وجهه أثر الغضب، إذا أوى إلى مسجده من حلت به الفاقة، ويجمع أصحابه في المسجد لحثهم على الإنفاق والصدقة على المحتاجين، كما روى جرير، رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار [جمع نمرة، وهي ثياب من صوف، خرقوا وسطها ولبسوها] متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: (يَا اّيهَا النَّاسُ اتقوا رَبّكُمُ الَّذِي خلَقَكُمْ مِنْ نفس وَاحِدةٍ) [النساء:1] إلى آخر الآية..
والآية التي في الحشر: (اتقُوا الله ولْتنْظُرْ نفْسٌ مَا قدَّمَتْ لِغدٍ واتقوا الله) [الحشر: 18].