5
وروى القفطي: أن النصارى عاتبوا يوحنا بن ماسويه على اتخاذ الجواري، وقالوا: خالفت ديننا، وأنت شماس! فإما كنت على سنتنا، واقتصرت على امرأة واحدة، وكنت شماسا لنا، وإما أخرجت نفسك عن الشماسين، واتخذت ما بدا لك من الجواري. فقال لهم: إنما أمرنا في موضع واحد ألا نتخذ امرأتين ولا ثوبين، فمن جعل الجاثليق أولى أن يتخذ عشرين ثوبا من يوحنا الشقي في اتخاذ أربع جوار؟ فقولوا لجاثليقكم أن يلزم قوانين دينه حتى نلزم معه، فإن خالف خالفناه.
6
وقد كانت المملكة البيزنطية تحرم على من ليس نصرانيا أن يتملك رقيقا نصرانيا، ولكن المسلمين أباحوا لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرقاء، ولو كانوا مسلمين.
انتشرت تجارة الرقيق في المملكة الإسلامية في ذلك العهد، كما انتشرت في غيرها من الممالك، وكان في بغداد شارع يسمى «شارع دار الرقيق»
7
انتهب في الفتنة بين الأمين والمأمون، وبكاه شاعر في قصيدة طويلة آخرها :
ومهما أنس من شيء تولى
فإني ذاكر دار الرقيق
وقد سمي تاجر الرقيق «نخاسا»، وكان في الأصل يطلق على بائع الدواب، واشتهر في ذلك العصر كثير من النخاسين في بغداد، وسبب شهرتهم ما لهم من جوار حسان يأوي إليهن الشعراء والأدباء، منهم بالكرخ نخاس يكنى «أبا عمير»، كان له جوار قيان لهن ظرف، وكان من جواريه جارية تسمى «عبادة»، هواها عبد الله بن محمد البواب فيقول:
لوتشكى «أبو عمير» قليلا
لأتيناه من طريق العيادة
فقضينا من العيادة حقا
ونظرنا في مقلتي «عبادة»
8
ومنهم أبو الخطاب النخاس، كان له جارية مغنية تعرف بذات الخال، كان يهواها إبراهيم الموصلي.
9
ومنهم حرب بن عمرو الثقفي، كان نخاسا، وكان له جارية مغنية، وكان الشعراء والكتاب وأهل الأدب ببغداد يختلفون إليها يسمعونها، وينفقون في منزله النفقات الواسعة، ويبرونه ويهدون إليه، وفيها وفيه يقول أشجع:
أشكو الذي لاقيت من حبها
وبغض مولاها إلى الرب
من بغض مولاها ومن حبها
سقمت بين البغض والحب
فاختلجا في الصدر حتى استوى
أمرهما فاقتسما قلبي
تعجل الله شفائي بها
وعجل السقم إلى حرب
10
ومر «أبو دلامة» بنخاس يبيع الرقيق، فرأى عنده منهن من كل شيء حسن، فانصرف مهموما، فدخل إلى المهدي، فأنشده قصيدة يفضل فيها النخاسة على الشعر مطلعها:
إن كنت تبغي العيش حلوا صافيا
فالشعر أعذبه وكن نخاسا
11
ولئن كان المستهترون من الأدباء يغبطون النخاسين على نخاستهم؛ فكثير من العقلاء كان يكره هذه الحرفة ويمقتها. دخل ناس على معاوية، فسألهم عن صنائعهم فقالوا: بيع الرقيق. قال: بئس التجارة، ضمان نفس، ومؤونة ضرس!
12
وكان على تجار الرقيق عامل من عمال الحكومة يشرف على أعمالهم، ويراقب تجارتهم يسمى «قيم الرقيق».
كان هؤلاء الأرقاء أنواعا مختلفة؛ فمنهم السود وكانت أهم أسواق ذلك الصنف مصر وجنوب جزيرة العرب وشمال أفريقيا، وكانت القوافل تأتي بهم وبالذهب من الجنوب، وكان الثمن العادي للعبد في منتصف القرن الثاني حول مائتي درهم. وقد رووا أن كافورا الإخشيدي الحبشي الذي ملك مصر قد بيع في أول أمره سنة 312ه بثمانية عشر دينارا؛ لأنه كان خصيا.
13
وفيه يقول المتنبي لما غضب عليه:
من علم الأسود المخصي مكرمة؟
أقومه البيض أم آباؤه الصيد؟
أم أذنه في يد النخاس دامية
أم قدره وهو بالفلسين مردود؟
وذاك أن الفحول البيض عاجزة
عن الجميل فكيف الخصية السود؟
ومنهم البيض، ومن أشهرهم الأتراك والصقالبة، وقد كان الناس يفضلون الصقالبة على الأتراك، كما يدل على ذلك جملة للخوارزمي وردت في كتاب يتيمة الدهر: «ويستخدم التركي عند غيبة الصقلبي.»
14
وقد كان أهم مركز لتجارة الرقيق الأبيض مدينة سمرقند؛ فقد اشتهرت بإصدار أحسن الرقيق من هذا النوع، وعظمت تجارته في المملكة الإسلامية، وفي أوروبا، وكان تجاره في أنحاء أوروبا من اليهود.