تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

سفاها ومن أخلاق جارتي الجهل

فإن تفخري يا جمل، أو تتجملي

فلا فخر إلا فوقه الدين والعقل

أرى الناس شرعا في الحياة، ولا يرى

لقبر على قبر علاء ولا فضل

وما ضرني أن لم تلدني يحابر

ولم تشتمل جرم على ولا عكل

19

إذا أنت لم تحم القديم بحادث

من المجد لم ينفعك ما كان من قبل

ويقول:

وناديت من مرو وبلخ فوارسا

لهم حسب في الأكرمين حسيب

فيا حسرتا لا دار قومي قريبة

فيكثر منهم ناصري ويطيب

وإن أبي ساسان كسرى بن هرمز

وخاقان لي لو تعلمين نسيب

ملكنا رقاب الناس في الشرك، كلهم

لنا تابع طوع القياد جنيب

نسومكمو خسفا، ونقضي عليكمو

بما شاء منا مخطئ ومصيب

فلما أتى الإسلام وانشرحت له

صدور به نحو الأنام تنيب

تبعنا رسول الله حتى كأنما

سماء علينا بالرجال تصوب

ويقول المتوكلي، وكان من ندماء المتوكل:

أنا ابن الأكارم من نسل جم

20

وحائز إرث ملوك العجم

ومحيي الذي باد من عزهم،

وعفى عليه طوال القدم

وطالب أوتارهم جهرة،

فمن نام عن حقهم لم أنم

معي علم الكابيان

21

الذي

به أرتجي أن أسود الأمم

فقل لبني هاشم أجمعين،

هلموا إلى الخلع قبل الندم

ملكناكم عنوة بالرما

ح طعنا وضربا، بسيف حذم

وأولاكم الملك آباؤنا،

فما إن وفيتم بشكر النعم

فعودوا إلى أرضكم بالحجاز

لأكل الضباب، ورعي الغنم

فإني سأعلو سرير الملوك.

بحد الحسام، وحرف القلم

22 •••

وقد شعر العرب بخطورة موقفهم، ولكن لم يستطيعوا دفع الشر عنهم، ونجد في كثير من الشعر في ذلك العصر والذي بعده ظلا من الحسرة والألم، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في الفصل السابق، ونرى هذا المعنى واضحا بعد في شعر المتنبي، فيألم وقد زار شعب بوان بفارس من ضعف اللغة العربية بها فيقول:

ملاعب جنة لو سار فيها

سلمان لسار بترجمان!

ويقول:

ولكن الفتى العربي فيها

غريب الوجه واليد واللسان

ويقول في قصيدة أخرى:

وإنما الناس بالملوك، وما

تفلح عرب ملوكها عجم

لا أدب عندهم ولا حسب

ولا عهود لهم ولا ذمم

بكل أرض وطئتها أمم

ترعى بعبد كأنها غنم!

يستخشن الخز حين يلمسه

وكان يبرى بظفره القلم! •••

والآن نعرض للأشكال المختلفة التي حارب بها الشعوبية العرب:

فقد عمدوا إلى مزية العرب الظاهرة التي يعتزون بها ، وهي البلاغة، وقوة الخطابة، وحضور البديهة، فأخذوا ينتقصونهم في ذلك من نواح مختلفة:

كان العرب إذا خطبوا أكثروا من الإشارة بأيديهم، يمثلون بها أغراضهم، ويستعينون بذلك على إيضاح المعنى، وقوة التأثير في السامعين، وكثيرا ما يستعملون في إشاراتهم المخصرة (وهي ما يمسكه الإنسان بيده من عصا، أو مقرعة أو عكازة أو قضيب)، وكثيرا ما كانوا يشيرون في خطب السلم بالمخصرة، وفي خطب الحرب بالقسي، وأحيانا كانوا يتكئون أثناء خطبهم على القسي، وكثيرا ما يلبسون للخطابة زيا خاصا؛ فيضعون العمامة وضعا يدل على تأهبهم للخطابة، فجاءت الشعوبية تهزأ بهم في ذلك، وتقول: أي ارتباط بين الكلام والعصا، وبين الخطبة والقوس، وهما إلى أن يشغلا العقل، ويصرفا الخواطر، ويعترضا الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ. وقد زعم أصحاب الغناء أن المغني إذا ضرب على غنائه قصر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه، وحمل العصا بأخلاق الفدادين أشبه، وهو بجفاة الأعراب وعنجهية أهل البدو، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق أشكل، وبه أشبه.

23

وقد رد عليهم الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، وأفرد لذلك بابا خاصا سماه «كتاب العصا» من أجل ذلك، كما عابوهم في جوهر الموضوع، فقالوا: ليست الخطابة ميزة امتزتم بها وحدكم؛ فهي شيء في جميع الأمم، حتى إن الزنج مع غباوتها، وفساد مزاجها لتطيل الخطب. وأخطب الناس الفرس لا العرب، ولهم فوق خطبهم التأليف في صناعة البلاغة، ومعرفة الغريب ككتاب «كازوند»، ومن احتاج إلى العقل والأدب والعلم بالمراتب والعبر والمثلات، والألفاظ الكريمة والمعاني الشريفة؛ فلينظر إلى سير الملوك (ملوك الفرس).

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥