تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

81

وكان أحمد بن أبي داود من ناحية أخرى يستخدم منصبه فيقضي حوائج العرب، «فيقول للمعتصم «فلان الهاشمي»، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي.» ولا يزال يتلطف حتى تقضى مطالبه.

82

وشكل آخر من شكل الصراع (وهو الصراع الأدبي الذي كان معروفا في العصر الأموي) وهو الافتخار بالأنساب من طريق الأدب؛ كالذي كان بين عبد الله بن طاهر (الفارسي) يفتخر بنسبه في الفرس، فيرد عليه محمد بن يزيد (العربي الأموي) يفتخر بالعرب، فقد قال عبد الله بن طاهر قصيدة يفخر بها بمآثر أبيه وأهله ويفخر بقتلهم الأمين، يقول فيها:

أقصري عما لهجت به

ففراغي عنك مشغول

أنا من قد تعرفي نسبي

سلفي الغر البهاليل

ومنها:

وأبي من لا كفاء له

من يساوي مجده؟ قولوا!

ومنها:

انظر المخلوع كلكله

وحواليه المقاويل

فثوى والتراب مضجعه

غال عنه ملكه غول

قاد جيشا نحو نائلة

ضاق عنه العرض والطول

من خراسان مصمصهم

كليوث ضمها غيل

وهبوا لله أنفسهم

لا معازيل، ولا ميل

83

ويقول محمد بن يزيد: لما بلغتني هذه القصيدة امتعضت العرب، وأنفت أن يفخر عليها رجل من العجم لأنه قتل ملكا من ملوكهم بسيف أخيه لا بسيفه. فيفخر عليها هذا الفخر، ويضع منها هذا الوضع، فرددت عليه قصيدته، ومطلعها:

لا يرعك القال والقيل

كل ما بلغت تضليل

يا ابن بيت النار موقدها

ما لحاذيه سراويل

من حسين من أبوك ومن

مصعب غالتكمو غول

نسب في الفخر مؤتشب،

وأبوات أراذيل

قاتل المخلوع مقتول

ودم المقتول مطلول

ومنها:

ما جرى في عود أثلتكم

ماء مجد فهو مدخول

قدحت فيه أسافله

فأعاليه مهازيل

ويقول قائل من الفرس:

بهاليل غر من ذؤابة فارس

إذا انتسبوا لا من عرينة أو عكل!

همو راضة الدنيا، وسادة أهلها

إذا افتخروا لا راضة الشاء والإبل

فيقول آخر عربي:

لا تغترر أنك من فارس

في معدن الملك وديوانه

لو حدثت كسرى بذا نفسه

صفعته في جوف إيوانه!

وهناك شكل ثالث من أشكال الصراع؛ هو الصراع العلمي، وسنعرض له بعد.

كانت نتيجة هذا الصراع هزيمة العرب، وغلبة الموالي، ولكن يجب أن نقرر أن هزيمتهم التامة كانت من الناحية السياسية والإدارية، فأما دينيا ولغويا فقد انتصر العرب فلم تستطع المجوسية أن تساير الإسلام، ولم تستطع لغات الموالي أن تضع من شأن لغة العرب بل خدمتها وعملت على ترقيتها من نواح مختلفة، وظل الموالي الذين يخدمون أغراضهم السياسية، وينجحون فيها، يخدمون في الوقت نفسه الدين واللغة؛ يضعون قواعدهما، ويضبطون شواردهما، وحركات الزندقة التي كانوا ينفثونها من حين لآخر أخمدت في قوة، وإن كانت قد تركت أثرا ضئيلا، كما أن سعي بعضهم لإحلال اللغة الفارسية محل العربية لم يصادف في عصرنا الذي نؤرخه آذانا سميعة، وظلت اللغة العربية هي اللغة الرسمية، وهي لغة الدين، ولغة العلم، وأقبل الموالي على تعلمها، وإجادتها إجادة تقرب من إجادة أهلها، وحسبك دليلا أن أبا مسلم الخراساني كان يجيد العربية، ويفهم أراجيز رؤبة.

84

وأن أكثر الكتاب المجيدين في العربية في هذا العصر كانوا فرسا، وأن الأصمعي يحكي عن عصره: إن مما يخل بالمروءة التكلم في مصر عربي بالفارسية.

85

الفصل الثالث

| الشعوبية

نستطيع بعد الذي ذكرنا في الفصل السابق أن نقول: إن عصرنا الذي نؤرخه كانت تسود فيه ثلاث نزعات:

النزعة الأولى:

تذهب إلى أن العرب خير الأمم، ولهم في ذلك حجج، نجملها فيما يأتي: (1)

أنهم عاشوا حياتهم متمتعين باستقلالهم؛ فهم في جاهليتهم جاوروا دولتي الفرس والروم، وكلتاهما دوخ البلاد وأسس ملكا عظيما، وكلتاهما كان له من الجند والعدد والعدة ما لا يحصى كثرة، ومع هذا فلم تجرؤ كلتاهما أن تمس استقلال العرب، وأن تطأ ديارهم، تملقوهم، واستعانوا باللخميين في الحيرة، والغسانيين في الشام، ومنحوهم المال، وقدموا لهم الديار ليحموهم من غارات عرب الجزيرة عليهم؛ فهم كانوا أحوج إلى العرب من حاجة العرب إليهم!

ضحى الإسلام · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٨