فلماذا تختلف صيغة الدعاء في هذا المزمور عنه في المزامير السابقة ، ألا يدل ذلك على اختلاف شخص الداعي في هذا المزمور عن شخص ذاك الداعي في المزامير السابقة ، ألا يدل على أن الداعي هنا يعلم أن دعاءه غير حقيق باستجابته إلا طمعاً في كثرة مراحم الله ، ثم لماذا كان هذا الموقف من الداعي ، لابد أن إثماً عظيماً ارتكبه حتى جعل دعاءه على هذا النحو ، وهذا هو ما يؤكده لنا الداعي في هذا المزمور حين نراه يتحدث عن نفسه فيه فيقول لله أنه – أي الله – قد عرف حماقته وذنوبه عنه لم نخف ، ثم يعود مؤكداً نفس المعني بقوله لله أنه – أي الله – عرف عاره وخزيه وخجله ، وشخص مثل هذا حاله لا ينتظر بطبيعة الحال أن يستجيب الله دعاءه إلا طمعاً في كثرة مراحم الله التي تسع الناس جميعاً حتى هو بالرغم من عاره وخزيه وخجله ، فمن هو الذي يعرف عنه الله كل هذا ، أمسيحه الكريم ، هل عرف الله له حماقة وذنوباً ، هل عرف له عاراً وخزياً وخجلاً ، حاشي لله أن يكون هذا عن المسيح كله ، بل حاشي لله أن يكون أي شيء منه عن المسيح ، فلم نعرف عنه إلا كل ما يجعله يفخر ، ولم يعرف الله عنه غير هذا ، والناس جميعاً لم يعرفوا عنه إلا كل ما يفاخرون به ، أما هذا الذي ينطبق عليه كل هذا القول ، فهل هو غير يهوذا ، أليس هو الذي خان المسيح فكلل نفسه بذلك أمام الله والناس بالعار والخزي والخجل ، ولكنه مع كل هذا يطمع في كثرة مراحم الله ، يطمع في أن يستجيب له ، بل إنه ليحدوه الأمل في أن يستجيب الله له ، وألا يتركه ليصلب هو الآخر ، ولكن ذنبه كان أكبر من أن يغفر ، ذنبه كان أكبر من أن يترك بغير عقاب ، فيتركه ليصلب ، وهنا نتساءل ، أليس في ضوء كل ذلك ، نستطيع أن نعرف لماذا كانت صيحته على الصليب ( إلهي إلهي لماذا تركتني) .
دعوة الحق بين المسيحية والإسلام · الصفحة ١٦٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
دعوة الحق بين المسيحية والإسلامص ١٦٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي