ومما يصيب الكتَّابُ في استعماله (تغلب) حين يقولون (تغلَّب فريق على فريق) . وقد عاب بعض النقاد ذلك وأوجبوا أن يستعمل (تغلَّب) كما جاء في الصحاح. قال الجوهري: "وتغلب على بَلَد كذا استولى عليه قهرًا". والأصل أن يؤتى بالمثال ليُنسج على منواله ويقاس على ما يرد من أشباهه بعد تدبره وإعمال الفكر فيه، و(تغلَّب) على (تفعّل)، وتدل هذه الصيغة فيما تدل عليه، كما مرَّ بنا، على تكلف معاناة ومشقة. فانظر إلى قول ابن المقفع في (كليلة ودمنة): "زعموا أن قردًا كان ملك القردة فوثب عليه قرد شاب فتغلب عليه"، فقد عبَّر ابن المقفع عمَّا لاقاه القرد الشاب في الانتصار على القرد الملك، ومثله (تصبّر)، قال الجاحظ في كتابه في النساء: "وإن تصبر وأمكنة الصبر لم يزل معذبًا"، فدلَّ على شدة المعاناة في الصبر. فقول الكتاب (تغلب فريق على فريق)، يعني حصول الغلبة بالجهد والمشقة.
دراسات في النحوص ٦٧٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي